الموقع وقف لجميع موتى المسلمين
 
الرئيسيةالحج والعمرةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 سيرة سعيد بن جبير رحمه الله ومقتله على يد الحجاج بن يوسف

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
طالب عفو ربه
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 814
تاريخ التسجيل : 07/05/2016

مُساهمةموضوع: سيرة سعيد بن جبير رحمه الله ومقتله على يد الحجاج بن يوسف   الجمعة 26 أكتوبر 2018, 8:50 pm

سيرة سعيد بن جبير رحمه الله ومقتله على يد الحجاج بن يوسف
سعيد بن جبير الأسدي (46هـ-95هـ) تابعي حبشي الأصل، كان متوكلا تقيا و عالما بالدين درس العلم عن عبد الله بن عباس حبر الأمة وعن عبد الله بن عمر و عن السيدة عائشة أم المؤمنين في المدينة المنورة، سكن الكوفة و نشر العلم فيها و كان من علماء التابعين، فأصبح إماما و معلما لأهلها، قتله الحجاج بن يوسف الثقفي بسبب خروجه مع عبد الرحمن بن الأشعث في ثورته على بني أمية.
نسب الإمام سعيد بن جبير ومولده وصفته
اسمه سعيد بن جبير بن هشام الأسدي الوالبي مولاهم -أي: أنه لم يكن من أصل عربي ولكنه مولى لبني أسد، أي: أن أحد أفراد هذه القبيلة اشتراه فأعتقه، فصارت هناك علاقة بين المُعتِق والمُعتَق وهي علاقة الولاء- أبو محمد ويقال: أبو عبد الله الإمام الحافظ المقرئ المفسّر الشهير أحد الأعلام. مولده: لم يصرّح أحد من المترجمين بتاريخ مولده، وصرحوا بأن مقتله كان في شعبان سنة 95 هـ، وكثير من المترجمين أو كثير من الذين يرصدون الأخبار ويؤرخون للحوادث لا يقفون كثيراً على تاريخ الميلاد، ولكنهم يضبطون تاريخ الوفاة. وقد قال لابنه: ما بقاء أبيك بعد سبعة وخمسين، كأنه عاش 57 سنة، وتوفي سنة 95 هـ، وعلى ذلك يكون ميلاده سنة 38 هـ تقريباً، وقد صرّح الذهبي بأن ميلاده كان في خلافة الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو الخليفة الخامس، والذي اشتهر عند كثير من الناس أن الخليفة الخامس هو عمر بن عبد العزيز، ولكن الصحيح أن الخليفة الخامس هو الحسن بن علي؛ لأن خلافته كانت ستة أشهر بعد مقتل أبيه، وتم به ما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بأن الخلافة بعده ثلاثون سنة، أي: الخلافة الراشدة ثلاثون سنة، فتمت الثلاثون سنة بخلافة الحسن بن علي رضي الله عنهما. وقال بعضهم: مات وله تسع وأربعون سنة، فيكون ميلاده سنة 46 هـ. صفته: قال الذهبي: روي أنه كان أسود اللون. وعن عبد الله بن نمير عن فطر قال: رأيت سعيد بن جبير أبيض الرأس واللحية. وعن أيوب قال: سئل سعيد بن جبير عن الخضاب بالوسمة فكرهه، وقال: يكسو الله العبد النور في وجهه ثم يطفئه بالسواد؟! فالصبغ يكون بالأحمر أو بالحناء، ويكره الصبغ بالسواد. وعن إسماعيل بن عبد الملك قال: رأيت على سعيد بن جبير عمامة بيضاء. وعن القاسم الأعرج قال: كان سعيد بن جبير يبكي بالليل حتى عمش.
كان دعاء سعيد بن جبير على الحجاج قبل مقتله "اللهم لا تسلطه على قتل أحد من بعدي". وفعلا مات الحجاج دون أن يقتل أحد من بعد سعيد بن جبير. وبعد مقتل سعيد بن جبير اغتم الحجاج غما كبيرا وكان يقول: ما لي ولسعيد بن جبير كلما أردت النوم أخذ برجلي ويقال إنه رؤي الحجاج في النوم بعد موته فقيل له: ما فعل الله بك ؟ فقال : قتلني بكل قتيل قتلة وقتلني بسعيد بن جبير سبعين قتلة، يوجد مرقد سعيد بن جبير بواسط في العراق. وُلِدَ سعيد بن جبير في زمن خلافة الإمام على بن أبي طالب - - بالكوفة، وقد نشأ سعيد محبًّا للعلم، مقبلاً عليه، ينهل من معينه، فقرأ القرآن على ابن عباس، وأخذ عنه الفقه والتفسير والحديث، كما روى الحديث عن أكثر من عشرة من الصحابة، وقد بلغ رتبة في العلم لم يبلغها أحد من أقرانه، قال خصيف بن عبد الرحمن عن أصحاب ابن عباس: كان أعلمهم بالقرآن مجاهد وأعلمهم بالحج عطاء، وأعلمهم بالطلاق سعيد بن المسيب، وأجمعهم لهذه العلوم سعيد بن جبير.
كان ابن عباس يجعل سعيدًا بن جبير يفتي وهو موجود، ولما كان أهل الكوفة يستفتونه، فكان يقول لهم: أليس منكم ابن أم الدهماء؟ يعني سعيد بن جبير، وكان سعيد بن جبير كثير العبادة لله، فكان يحج مرة ويعتمر مرة في كل سنة، ويقيم الليل، ويكثر من الصيام، وربما ختم قراءة القرآن في أقل من ثلاثة أيام، وكان سعيد بن جبير مناهضًا للحجاج بن يوسف الثقفي أحد أمراء بني أمية، فأمر الحجاج بالقبض عليه، فلما مثل بين يديه، دار بينهما هذا الحوار:
الحجاج: ما اسمك؟
سعيد: سعيد بن جبير.
الحجاج: بل أنت شقي بن كسير.
سعيد: بل أمي كانت أعلم باسمي منك.
الحجاج: شقيتَ أنت، وشقيتْ أمك.
سعيد: الغيب يعلمه غيرك.
الحجاج: لأبدلنَّك بالدنيا نارًا تلظى.
سعيد: لو علمتُ أن ذلك بيدك لاتخذتك إلهًا.
الحجاج: فما قولك في محمد.
سعيد: نبي الرحمة، وإمام الهدى.
الحجاج: فما قولك في على بن أبي طالب، أهو في الجنة أم في النار؟
سعيد: لو دخلتها؛ فرأيت أهلها لعرفت.
الحجاج: فما قولك في الخلفاء؟
سعيد: لست عليهم بوكيل.
الحجاج: فأيهم أعجب إليك؟
سعيد: أرضاهم لخالقي.
الحجاج: فأيهم أرضى للخالق؟
سعيد: علم ذلك عنده.
الحجاج: أبيتَ أن تَصْدُقَنِي.
سعيد: إني لم أحب أن أكذبك.
الحجاج: فما بالك لم تضحك؟
سعيد: لم تستوِ القلوب وكيف يضحك مخلوق خلق من طين والطين تأكله النار.
وهب سعيد حياته للإسلام، ولم يَخْشْ إلا الله، ولد في الكوفة، يفيد الناس بعلمه النافع، ويفقه الناس في أمور دينهم ودنياهم، فقد كان إمامًا عظيمًا من أئمة الفقه في عصر الدولة الأموية، حتى شهد له عبد الله بن عباس -ما- بالسبق في الفقه والعلم، فكان إذا أتاه أهل مكة يستفتونه يقول: أليس فيكم ابن أم الدهماء (يقصد سعيد بن جبير).
كان سعيد بن جبير يملك لسانًا صادقًا وقلبًا حافظًا، لا يهاب الطغاة، ولا يسكت عن قول الحق، فالساكت عن الحق شيطان أخرس، فألقى الحجاج بن يوسف القبض عليه بعد أن لفق له تهمًا كاذبة، وعقد العزم على التخلص منه، لم يستطع الحجاج أن يسكت لســانه عن قول الحق بالتـهديد أو التخويف، فقد كان سعيد بن جبير مؤمنًا قوي الإيمان، يعلم أن الموت والحياة والرزق كلها بيد الله، ولا يقدر عليه أحد سواه.
اتبع الحجاج مع سعيد بن جبير طريقًا آخر، لعله يزحزحه عن الحق، أغراه بالمال والدنيا، وضع أموالا كثيرة بين يديه، فما كان من هذا الإمام الجليل إلا أن أعطى الحجاج درسًا قاسيًا، فقال: إن كنت يا حجاج قد جمعت هذا المال لتتقي به فزع يوم القيامة فصالح، وإلا ففزعة واحدة تذهل كل مرضعة عما أرضعت. لقد أفهمه سعيد أن المال هو أعظم وسيلة لإصلاح الأعمال وصلاح الآخرة، إن جمعه صاحبه بطريق الحلال لاتـِّقاء فزع يوم القيامة..{يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم} [الشعراء:88-89]. ومرة أخرى تفشل محاولات الحجاج لإغراء سعيد، فهو ليس من عباد الدنيا ولا ممن يبيعون دينهم بدنياهم، وبدأ الحجاج يهدد سعيدًا بالقضاء عليه، ودار هذا المشهد بينهما: الحجاج: ويلك يا سعيد! سعيد: الويل لمن زحزح عن الجنة وأدخل النار. الحجاج: أي قتلة تريد أن أقتلك؟ سعيد: اختر لنفسك يا حجاج، فوالله ما تقتلني قتلة إلا قتلتك قتلة في الآخرة. الحجاج: أتريد أن أعفو عنك؟ سعيد: إن كان العفو فمن الله، وأما أنت فلا براءة لك ولا عُذر. الحجاج: اذهبوا به فاقتلوه. فلما خرجوا ليقتلوه، بكي ابنه لما رآه في هذا الموقف، فنظر إليه سعيد وقال له: ما يبكيك؟ ما بقاء أبيك بعد سبع وخمسين سنة؟ وبكي أيضًا صديق له، فقال له سعيد: ما يبكيك؟ الرجل: لما أصابك.
سعيد: فلا تبك، كان في علم الله أن يكون هذا، ثم تلا: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها} [الحديد:22] ثم ضحك سعيد، فتعجب الناس وأخبروا الحجاج، فأمر بردِّه، فسأله الحجاج: ما أضحكك؟
سعيد: عجبت من جرأتك على الله وحلمه عنك. الحجاج: اقتلوه. سعيد: {وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين} [الأنعام: 79]. الحجاج: وجهوه لغير القبلة. سعيد: {فأينما تولوا فثم وجه الله} [البقرة: 115]. الحجاج: كبوه على وجهه. سعيد: {منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى} [طه: 55]. الحجاج: اذبحوه. سعيد: أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده
ورسوله، خذها مني يا حجاج حتى تلقاني بها يوم القيامة، ثم دعا سعيد ربه فقال: اللهم لا تسلطه على أحد يقتله بعدي.
وفعلا مات الحجاج دون أن يقتل أحد من بعد سعيد بن جبير
مات سعيد شهيدًا في 11 رمضان 95 هـ الموافق 714م، وله من العمر تسع وخمسون سنة، مات ولسانه رطب بذكر الله
يوجد مرقد سعيد بن جبير في قضاء الحي، محافظة واسط، العراق.
المصدر : المعرفة

==============================================================

سعيد بن جبير والحجاج بن يوسف الثقفي
بين يدي المحنة:
المواجهة بين الدعاة والطغاة صورة تكررت كثيرًا عبر تاريخ هذه الأمة، والدور الريادي المنوط بعلماء الأمة ودعاتها يدفعهم دومًا لهذه المواجهة، بالنصح والوعظ والإرشاد، وقيادة الناس وقت الأزمات، والدعاة والعلماء يتحملون في هذه المواجهات الكثير والكثير من المحن والابتلاءات، وهو قدرهم الذي رضوا به، وعاشوا وماتوا من أجله.
التعريف به:
• الإمام العلم العلَّامة، إمام التفسير، تلميذ حبر الأمة، نور العلم، وقدوة التابعين، مستجاب الدعوة، العالم الرباني سعيد بن جبير بن هشام الأسدي الوالبي، الإمام الحافظ المقرئ المفسر الشهيد بإذن الله، أحد أعلام الأمة.
• وُلد بالكوفة سنة 38هـ في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وبها ترعرع ونشأ، أحب العلم صغيرًا؛ فجلس إلى الصحابة ينهل من علومهم ويروي عنهم أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، فروى عن أنس بن مالك، والضحاك بن قيس، وعبد الله بن الزبير، وابن عباس، وابن عمر، رأي أبا هريرة، وأبى موسى الأشعري، وأم المؤمنين عائشة وغيرهم رضي الله عنهم، فحمل عنهم علمًا جمَّا، وأحاديث كثيرة.
• ثم اصطفى سعيد بن جبير من جملة الصحابة حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وانقطع إليه وأخذ عنه التفسير، وسائر علومه، وصار من أكبر تلاميذه، وأخص رفقائه، وأنجب طلابه، وكان سعيد من شدة أدبه مع شيخه ابن عباس لا يفتي في حضرته، فلما مرض ابن عباس وذهب بصره تصدى سعيد للإفتاء، وكان ابن عباس يحيل الفتاوى عليه، ويوصي به أهل العراق عند سؤالهم.
• كان سعيد بن جبير بجانب علمه الغزير، وفقهه الدقيق، مشهورًا بالورع والزهد والعبادة إلى المنتهى، شديد الخوف من الله، متوكلا عليه في الأمور كلها، يطيل صلاته لدرجة أنه كان يختم القرآن في صلاة القيام، وروى ذلك عنه من طرق كثيرة صحيحة، محافظًا على الحج والعمرة كل سنة، حتى في سنوات محنته، كان إذا قام للصلاة كأنه وتد، مستجاب الدعوة، له في ذلك مواقف مأثورة، بكى من الليل حتى ضعف بصره، وعمشت عينه.
ثناء الناس عليه:
• سعيد بن جبير علم من أعلام السلف، وإمام من كبار أئمة المسلمين، وأحد ورثة عِلْمِ الصحابة عمومًا، وحبرهم ابن عباس خصوصًا، كان كلمة إجماع في عصره، ولم يؤثر عن أحد من أهل العلم، أو رواة الحديث أنه قد جرحه بأدنى كلمة، فهو مجمع على توثيقه بين الناس، هذه طائفة من ثناء الناس عليه:
• كان ابن عباس رضي الله عنهما إذا أتاه أهل الكوفة يستفتون يقول: أليس فيكم ابن أم الدهماء؟! يقصد سعيد بن جبير
• وجاء رجل إلى ابن عمر رضي الله عنهما ليسأله عن فريضة فقال له: ائت سعيد بن جبير، فإنه أعلم بالحساب مني، وهو يفرض منها ما أفرض.
• قال إبراهيم النخعي: ما خلَّف سعيد بن جبير بعده مثله.
• قال أشعت بن إسحاق: سعيد بن جبير جهبذ العلماء.
• قال أبو قاسم اللالكائي: هو ثقة، إمام حجة على المسلمين.
• قال على المديني: ليس في أصحاب ابن عباس مثل سعيد بن جبير، قيل: ولا طاوس؟ قال: ولا طاوس، ولا أحد.
• قال ميمون بن مهران: لقد مات سعيد بن جبير وما ظهر على الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه.
• قال خصيف: كان أعلمهم بالقرآن مجاهد، وأعلمهم بالحج عطاء، وأعلمهم بالحلال والحرام طاوس، وأعلمهم بالطلاق سعيد بن المسيب، وأجمعهم لهذه العلوم سعيد بن جبير.
محنته:
• محنة الإمام سعيد بن جبير رحمه الله تبدأ مبكرًا، وهو في الخامسة والثلاثين من العمر، وعندما رأى بعينه التحولات الكبرى التي حدثت داخل بناء الأمة الإسلامية، عندما رأى قيام الطاغية الحجاج بن يوسف الثقفي بمحاصرة مكة بلد الله الحرام، وانتهاكه لحرمة الكعبة، وضربه إياها بالمنجنيق، ثم قتله للخليفة الشرعي عبد الله بن الزبير، تمثيله بجثته، وذلك سنة 73هـ، وأخذه للبيعة من الناس كرهًا - وسعيد منهم - بحد السيف، فتولد في قلب الإمام البغض والكره لهذا الطاغية، وأفعاله الإجرامية، والبغض لكل الظلمة والطغاة الذين استذلوا للناس وأهانوهم، واستحلوا حرماتهم.
• بعد أن أعطى سعيد بن جبير بيعته للحجاج بن يوسف الثقفي بحد السيف في مكة بعد مقتل ابن الزبير رضي الله عنهما، عاد إلى الكوفة، وأخذ في نشر العلم، ورواية الحديث، ولكنه سرعان ما فوجئ بتعيين الطاغية الحجاج واليًا على العراق، ولما دخل الحجاج العراق حاول استمالة العلماء والقراء؛ لعلمه بسخط الناس وأهل العلم على سياسته، وظلمه وأسلوبه في الحكم؛ فأغدق العطايا على الإمام سعيد، وجعله بمثابة القاضي والمشير، ومن خاصته، ولكن لم تكن تلك اللعاعة من الدنيا لتغري إمامًا مثل سعيد بن جبير، وتغير موقفه ورأيه في الحجاج، وسياسته وجرائمه.
• اتبع الحجاج سياسة ذكية في احتواء ثورات أهل العراق، وطاقاتهم الكبيرة بشغلهم بالجهاد في سبيل الله في بلاد المشرق؛ حيث كفار الترك، فانصرف الناس لنصرة دين الله عز وجل عدة سنوات، والحجاج مستمر على سياسته وبطشه بالمعارضين، حتى كانت سنة 82هـ وفيها وقعت أعنف ثورة قام بها أهل العراق، وهي فتنة ابن الأشعت، وكان ابن الأشعت أحد قادة الحجاج، وكان الحجاج يبغضه بشدة للتنافس بين الرجلين، وللطموح الذي يجمع بينهما، وكان سبب الثورة هو إصرار الحجاج على أن يواصل جيش ابن الأشعت التوغل في بلاد "الرتبيل" ملك الترك، في حين رفض ابن الأشعت الأوامر لقسوة فصل الشتاء، وكثرة الثلوج، ووعورة الطريق، فترددت الرسائل الخشنة بين الرجلين، ثم انتهت بإعلان ابن الأشعت العصيان والثورة، وخلع الطاعة للحجاج ولعبد الملك بن مروان الخليفة الأموي أيضًا.
• كان في جيش ابن الأشعت العديد من العلماء والفقهاء، وحفظة كتاب الله، ممن خرج للجهاد ونصرة دين الله عز وجل، منهم سعيد بن جبير، وطلحة بن حبيب، ومجاهد بن جبر، والشعبي، وابن أبي ليلى، وعلماء الزمان، وأهم شيوخ العصر عامة، والعراق خاصة؛ فأعلن هؤلاء العلماء والقراء دعمهم لابن الأشعت ضد الطاغية الحجاج، الذي فاقت جرائمه بحق المسلمين كل حدود، وكان لذلك الدعم المعنوي من جانب العلماء أثر كبير في قوة ثورة ابن الأشعت، فانضم إليها الناس من كل مكان؛ فلقد كان الحجاج مبغوضًا من الجميع.
• وقعت العديد من المعارك الطاحنة بين الفريقين، كان لكتيبة العلماء والقراء دور كبير في تحميس الناس، وتقوية عزائمهم، وكان سعيد بن جبير يقف بين الصفوف، ويشد من أزر المقاتلين، ويقول: قاتلوهم على جورهم، واشتد لأنهم الضعفاء، وإماتتهم الصلاة، وكذلك فعل الشعبي وجبلة بن زحر زعيم القراء، وطبعًا ربما ينطق البعض للكلام على مدى جواز اشتراك العلماء والفقهاء في مثل تلك الثورة، وهل يعد ذلك خروجًا على السلطة أم لا؟ ولنا في موقفهم عبرة وعظة، وفي إجماعهم على ذلك - وهم أعلام الأمة وأكبر علمائها - دليل على جواز ذلك بشروط مخصوصة كانوا هم أدرى بها، وأعلم بطبيعتها، وهم قد رأوا من الحجاج ما سمعناه نحن فقط، وعاينوا على الطبيعة أفعاله وجرائمه؛ لذلك فهم أحق الناس بالحكم على الأمر.
• ظلت ثورة ابن الأشعت مشتعلة بأرض العراق كلها طيلة سنتين كاملتين، وكادت أن تؤتى أكلها، ولكنها فشلت في النهاية، وأمعن الحجاج في التنكيل بالثوار؛ فقتل منهم عشرات الآلاف، وكان يؤتى بالرجل بين يدي الحجاج؛ فيطلب منه أن يشهد على نفسه بالكفر؛ فإن فعل أطلق سراحه، وإلا ضرب عنقه، فاضطر كثير من الناس للفرار من العراق، ومنهم سعيد بن جبير، وطلب بن حبيب، ومجاهد بن جبر، وعطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار، وهم وجوه الناس وعلماؤهم.
• انتقل سعيد بن جبير إلى أصبهان، وعاش هناك في الخفاء، وكان حريصًا على ألا يعرفه أحد، وذلك سنة 83هـ، ومع ذلك لم يترك الحج والعمرة كل سنة؛ فعلم الحجاج بوجوده بأصبهان؛ فأرسل في طلبه، فهرب منها ودخل العراق مستخفيًا، وأخذ في التنقل من مكان لآخر، والحجاج يشتد في طلبه، وذلك طيلة اثنى عشر سنة كاملة، وفي النهاية استقر في مكة ليسهل عليه الحج والعمرة، واستقر معه باقي إخوانه العلماء، وكان والي مكة خالد القسري يغض الطرف عنهم، حتى قام الخليفة الوليد بن عبد الملك بعزل عمر بن عبد العزيز عن ولاية المدينة، وعين مكانه عثمان بن حيان الذي أخذ في القبض على أصحاب ابن الأشعت في المدينة، وإرسالهم للحجاج بالعراق ليقتلهم؛ فاضطر عندها خالد القسري لحذو فعله، فقبض على سعيد بن جبير وأصحابه، وقد عُرض على سعيد الهرب من مكة فقال: والله لقد استحيت من الله من كثرة الفرار، ولا مفر من قدر الله، وكان الحجاج قد أرسل إلى خالد القسري يتهدده من أجل إرسالهم، فلم يجد خالد من بد في ذلك.
• حمل سعيد بن جبير وأصحابه مثقلين بالقيود والحديد في رحلة طويلة من المدينة إلى الكوفة، وفي الطريق الطويل الشاق مات طلق بن حبيب، ولما وصلوا إلى الكوفة أمر الحجاج بسجنهم باستثناء سعيد بن جبير، الذي أمر بإحضاره بين يديه، وقد بسط له النطع، وأحضر السياف والجلاد للتنكيل بالإمام سعيد بن جبير، وكان الإمام عامر الشعبي يرى التقية المباحة، وبها تخلص من سيف الحجاج، أما الإمام سعيد فقد كان لا يراها، فلما أحضر بين يدي الحجاج قال له: اشهد على نفسك بالكفر، فقال الإمام: لا أفعل ذلك أبدًا، فقال الطاغية: اختر أي قتلة أقتلك، قال: اختر أنت، فإن القصاص أمامك، ثم دار حوار بين الطاغية والإمام انتهى بمقتل الإمام، وتقطيع أوصاله بصورة مأساوية بشعة، تدل على مدى حقد الطاغية الحجاج الثقفي على الإمام سعيد بن جبير، ولقد أورد أبو نعيم الكثير من الروايات الضعيفة والموضوعة في كيفية مقتله في كتابه الشهير حلية الأولياء، وفيما صح من الأخبار كفاية وغنية عن الضعف.
• لقد كان سعيد بن جبير مستجاب الدعوة، لا يرد الله عز وجل له دعوة قط، وكان يستطيع أن يدعو على الحجاج فلا ينال منه بسوء، ولكنه استقتل لله، ورحب بالشهادة، وكانت دعوته التي دعا بها قبل موته على الحجاج: ألا يسلطه الله عز وجل على أحد بعده، فاستجاب الله عز وجل له، ومات الحجاج مذمومًا مدحورًا بعد سعيد بن جبير بأربعين ليلة، ولم يقتل أحدًا بعد سعيد، واشتهر الرجلان في التاريخ أيما شهرة، ولكن شتان بينهما: هذا صار علمًا للدعاة والمجاهدين والعلماء، وذلك صار علمًا للطغاة والظلمة المستكبرين.
المصادر والمراجع:
• تاريخ الطبري: (4/ 23).
• وفيات الأعيان: (2/ 371).
• النجوم الزاهرة: (1/ 228).
• المنتظم: (6/ 318).
• شذرات الذهب: (1/ 108).
• تاريخ خليفة: (1/ 307).
• طبقات خليفة: (1/ 280).
• طبقات ابن سعد: (6/ 256).
• سير أعلام النبلاء: (4/ 321).
• صفة الصفوة: (2/ 44).
• تراجع أعلام السلف: (47).

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://alsahahaleslameeh.yoo7.com
 
سيرة سعيد بن جبير رحمه الله ومقتله على يد الحجاج بن يوسف
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: الأرشيف العام -
انتقل الى: