الموقع وقف لجميع موتى المسلمين
 
الرئيسيةالحج والعمرةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 دروس وعبر من حادثة بئر معونة

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
طالب عفو ربه
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 814
تاريخ التسجيل : 07/05/2016

مُساهمةموضوع: دروس وعبر من حادثة بئر معونة   الأحد 23 سبتمبر 2018, 7:17 am

دروس وعبر من حادثة بئر معونة
في شهر صفر من العام الرابع من الهجرة قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلٌ من بني عامر، وهو عامر بن مالك، وهذا الرجل يلقب بمُلاعِب الأسِنة، وقدم عامر هديةً إلى رسول الله، فدعاه الرسول إلى الإسلام فلم يُسلِم، وقال: يا محمد، لو بعثت رجالاً من أصحابك إلى أهل نجد يدعونهم إلى أمرك، فإني أرجو أن يستجيبوا لك، فقال: «إِنِّي أَخَافُ عَلَيْهِمْ أَهْلَ نَجْدٍ». فقال عامر: أنا جارٌ لهم. فبعث رسول الله المنذر بن عمرو من بني ساعدة في سبعين من خيرة الصحابة، وكانوا يُعرفون بالقراء، يقرءون القرآن ويتدارسونه ليل نهار، منهم حرام بن ملحان، وعامر بن فهيرة، فنزلوا بئر معونة بين أرض بني عامر وحَرّة بني سُليم، وبعثوا حَرَام بن مِلْحان برسالة من الرسول إلى عامر بن الطفيل يدعوه إلى الإسلام. وعامر بن الطفيل هو ابن أخي عامر بن مالك، وكان عامر بن الطفيل رجلاً شريراً غادراً لم ينظر في رسالة رسول الله التي يحملها حرام بن ملحان وقتل الصحابي الجليل حرام بن ملحان؛ فقد أوصى أحد حرّاسه أن يأتي من خلفه ويطعنه في ظهره - والرسل لا تُقتل -، فجاء الحارس من خلفه وطعنه بحربة كبيرة من خلفه فخرجت من بطنه، ولقد أخذ حرام الدم الذي يسيل من جسده ودهن به وجهه وهو يقول: «فزتُ وربِّ الكعبة». وكان الذي قتل حرام هو جبار بن سلمى، فقد أخذ يسأل عن قول الصحابي: «فزتُ ورب الكعبة»، فقال: ما فاز، أوَلستُ قد قتلته؟ فقالوا له: إنها الشهادة عند المسلمين. فذهب إلى المدينة المنورة ودخل في الإسلام، وكان ذلك سبباً في إسلامه. واستعدى عامر بن الطفيل بني عامر على القراء، فأبوا لجوار عامر بن مالك إياهم، فاستعدى بني سُليم فنهضت منهم عُصيَّة ورِعل وذَكوان، وقتلوهم عن آخرهم، إلا كعب بن زيد فقد أصيب بجروحٍ وظنوه قد قتل، ولكنه عاش حتى شهد الخندق في العام الخامس، ولقي ربه شهيداً. وتزامن مع هذه الوقعة مرور المنذر بن عقبة وعمرو بن أمية الضمري، فنظرا إلى الطير تحوم على العسكر، فأسرعا إلى أصحابهما فوجدوهم في مضاجعهم، فأما المنذر بن عقبة فقاتل حتى قتل، وأما عمرو بن أمية فقد أسره عامر بن الطفيل، ثم أعتقه لرقبة كانت عن أمه، وذلك لعشرٍ بقين من صفر، وكانت مع الرجيع في شهر واحد. وفي الطريق لقي عمرو بن أمية رجلين من بني كلاب، وهم فرع من بني عامر، فنزلا معه في ظل شجرة، فلما ناما فتك بهما عمرو بن أمية، وكان معهما عهدٌ من النبي لم يعلم به عمرو، وقدم على النبي فأخبره بذلك، فقال: «لَقَدْ قَتَلْتَ قَتِيلَيْنَ لَأَدِيَنَّهُمَا»[1].


أهم الدروس والعبر في حادثة بئر معونة:
• الإسلام لا يكره أحداً على الدخول فيه:
ذلك واضح في عرض النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام على عامر بن مالك فلم يسلم، ولم يعلق إرسال القراء والدعاة معه على إسلامه، بل رفض عامر دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، وبرغم ذلك بعث الصحابة معه، وهذا يرد على الذين يزعمون ليل نهار أن الإسلام انتشر بالسيف وأن الفاتحين مجرد غزاة نهبوا خيرات البلاد والعباد، ولم يكن همهم الدعوة إلى الله، وحمل هؤلاء الإسلام فعل الأشخاص في بعض الفتوحات.


• معرفة النبي صلى الله عليه وسلم لطبائع الناس والدول:
من مواصفات القائد الناجح أن يكون ملماً بطبائع الدول التي حوله، ويعرف كيف يفكر عدوه، وأن طبائع البشر مختلفة، فعندما طلب عامر بن مالك إرسال العلماء القراء قال لهم صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي أَخَافُ عَلَيْهِمْ أَهْلَ نَجْدٍ»، وكأنه صلى الله عليه وسلم يقول له: إني أعرف طباع أهل نجد، ومن الممكن أن يغدروا بهؤلاء القراء. وثمة مواقف أخرى له صلى الله عليه وسلم منها إرسال أصحابه إلى الحبشة لمعرفته بطبيعة حاكمها وطبيعة أهلها، فقال عن الحبشة: «إن فيها ملكاً لا يظلم أحد عنده».
وهذا يؤكد لنا من باب أولى معرفة النبي صلى الله عليه وسلم لطبيعة أصحابه والبلد التي يعيش فيها والرعية التي يتولى أمرها، وهذا ضروري جداً للحاكم أن يكون ملماً بطبائع شعبه وأحوالهم وعاداتهم وما يناسبهم، وكذلك طبائع الدول من حوله.


• ضرورة تأهيل الدعاة قبل إرسالهم مبعوثين ومبلغين عن الإسلام:
الإسلام قضية عادلة تحتاج إلى قضاة عدول فاهمين ومؤهلين في فهم قضيتهم، وفهم واقعهم، ونفسيات المدعوين، وأن الذي يصلح لعمل ما قد لا يصلح لعمل آخر، وقد يرزق الله بعض الناس مواهب متعددة، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، وهذا ما رعاه الرسول صلى الله عليه وسلم فعندما طلب عامر بن مالك من يكون رسولاً ومبلغاً للدين في قومه اختار له صلى الله عليه وسلم القراء الدارسين، وليس القراء فقط، فقد جمعوا بين الحفظ والفهم، فقد جاء في كتب السير: «فبعث رسول الله المنذر بن عمرو من بني ساعدة في سبعين من خيرة الصحابة، وكانوا يُعرفون بالقراء، يقرءون القرآن ويتدارسونه ليل نهار».


ولقد كان اختيار الرسول صلى الله عليه وسلم في محله، فحرام بن ملحان عندما طعنوه قال: فزت ورب الكعبة، ولا يقول هذه الكلمة إلا عن قراءة واعية لقوله تعالى: {إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْـمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْـجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: ١١١].


والدعاة - وخصوصاً من ترسلهم المؤسسات الدعوية لتبليغ الإسلام - يجب أن يكونوا مؤهلين إيمانياً وعلمياً وثقافياً، فهم رسل رسول الله والإسلام للعالم كله.


• احترام المبادئ العامة بين الدول ما لم تخالف الدين:
احترام المواثيق والعهود والمبادئ واجب شرعي، وقد خان عامر بن الطفيل الحاقد على الإسلام ولم يحفظ المواثيق الدولية، فقد قتل رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم حرام بن ملحان، والرسل لا تقتل.


وبرغم هذا الغدر من عامر بن الطفيل ومن رعل وذكوان وعصية من بني سليم وقتل القراء بدم بارد لم يقابل النبي صلى الله عليه وسلم الغدر بالغدر. بل تأمل عندما جاء خبر القتيلين اللذين قتلهما عمرو بن أمية وكان معهما عهدٌ من النبي لم يعلم به عمرو أمر بدفع الدية لهذين القتيلين اللذين قُتلا عن طريق الخطأ، برغم أنه جاءه في الوقت نفسه خبر استشهاد سبعين من صحابة رسول الله في بئر معونة. فقد كان بإمكان النبي صلى الله عليه وسلم أن يعتبر عمل عمرو بن أمية جزءاً من الانتقام الذي ينبغي أن يواجه به المجرمين المعتدين، ولكن ما ذنب الأبرياء حتى يؤخذوا بجريرة المعتدين من قومهم؟


إنه السمو الأخلاقي لنبي الإسلام، وإنها عظمة الإسلام الذي جاء لينشر دعوة العدل والحق في ربوع العالم كله.


• الشهادة في سبيل الله هي الفوز الحقيقي:
لقد تعجب قاتل حرام بن ملحان عندما شاهد حرام وهو يأخذ الدم الذي يسيل من جسده ويدهن به وجهه ويقول: «فزتُ وربِّ الكعبة». وكان الذي قتل حرام هو جبار بن سلمى، فقد أخذ يسأل عن قول الصحابي: «فزتُ ورب الكعبة»، فقال: ما فاز، أوَلستُ قد قتلته؟ فقالوا له: إنها الشهادة عند المسلمين. فذهب إلى المدينة المنورة ودخل في الإسلام وكان ذلك سبباً في إسلامه.


إن حرام تربى على أن الآخرة خير وأبقى، وأنه يعلم أن نيل الشهادة يكون سبباً في مرافقة النبيين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، فللشهيد منزلة خاصة عند الله، فجزاء الثمن الباهظ الذي يدفعه وهو روحه رخيصة في سبيل الله لم يبخسه أعدل العادلين حقه فكافأه مكافأة بست جوائز كل واحدة منها تعدل الدنيا وما فيها، فعن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويحلى حلة الإيمان، ويزوج من الحور العين، ويشفع في سبعين إنساناً من أقاربه»[2].


هذا بالإضافة إلى الوسام المميز المشرف الذي يأتي به يوم القيامة، وجرحه كهيئته يوم جرح: اللون لون الدم، والريح ريح مسك[3].
كما أن حياة الشهداء لا تنتهي بمجرد موتهم، بل هم أحياء يرزقون ويتنعمون عند ربهم، قال تعالى: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169].
كما أن الشهيد لا يتعرض لألم الموت، قال النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى: «ما يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة»[4].


• طمع الأعداء في دول الإسلام:
لقد غدر عامر بن الطفيل برسول رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتله والمتعارف عليه كما بينا أن الرسل لا تقتل، ولكن لماذا غدر هذا الرجل بالرسول المرسل من قبل النبي صلى الله عليه وسلم؟


لقد فعل عامر بن الطفيل ذلك لأن بينه وبين رسول الله موقفاً قديماً؛ فقد وفد على رسول الله، وقال: «إني أعرض عليك ثلاثة أمور: أن يكون لك أهل السهل ولي أهل المدر، أو أن أكون خليفتك من بعدك، أو أن أغزوك بأهل غطفان». فرفض الرسول هذه الأمور كلها.


وهذه العروض تدل على طمع الأعداء في الملك وديار الإسلام، وهذا ما أخبر به صلى الله عليه وسلم أن الأعداء يتكالبون على المسلمين كما يتكالبون على قصعتهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة على قصعتها»[5].


إن طمع الأعداء في ديار الإسلام يحتم على المسلمين أن يتوحدوا ويعتصموا بدينهم، ويتركوا الخلاف والتنازع حتى لا نصاب بالفشل والتشرذم، قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46]، والآية السابقة تبين أن تجنب التنازع وتحقيق الوحدة والاجتماع والتعاون لا يكون إلا بطاعة الله ورسوله؛ لذا قبل التحذير من التنازع أمر سبحانه بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، فطاعتهما تقدم على كل شيء، ولا سبيل للتوحد إلا بذلك.
•  النبي صلى الله عليه وسلم والصبر الجميل:
تلقى النبي صلى الله عليه وسلم خبر قتل السبعين من القراء بصبر جميل؛ ليعلم الأمة أن الصبر قرين النصر، قال صلى الله عليه وسلم: «واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً»[6]، وليست هذه الصدمة الأولى التي يتلقاها النبي صلى الله عليه وسلم في حياته وليست كذلك الأخيرة، فمسيرة حياته مملوءة بالابتلاءات والشدائد منذ كان وليداً، حيث عانى اليتم في صغره، وحورب عندما أمر بتبليغ الرسالة حتى من أقرب الناس إليه، وأصاب البلاء أسرته، وأصحابه، ولما بلغ الكبر فقد كثيراً من أحبابه وأصحابه واعترته الشفقة على قوم أعلنوا له العداء والبغض.


إن المسيرة النبوية مسيرة تعلم الأمة الصبر الجميل، الصبر على طاعة الله، والصبر عن معصيته، والصبر على البلاء؛ لأن الصابر له معاملة خاصة يوم القيامة، قال تعالى: {إنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10].


•  أهمية الدعاء واللجوء إلى الله وقت الشدة والنوازل والكوارث:
لقد كانت مأساة بئر معونة قاسية على المسلمين؛ فقد قتل القُرّاء الدعاة العلماء غدراً، وظل الرسول يقنت شهراً كاملاً يدعو على عامر ورعل وذكوان في كل صلواته حتى الصلوات السرية.


وقد دعا القراء - كذلك - ربهم أن يبلغ نبيه بما حدث لهم، فاستجاب سبحانه لهم، عن أنس أن ناساً جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا ابعث معنا رجالاً يعلموننا القرآن والسنة فبعث إليهم سبعين رجلاً من الأنصار يقال لهم القراء فتعرضوا لهم فقتلوهم قبل أن يبلغوا المكان قالوا اللهم بلغ عنا نبينا إنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه إن إخوانكم قد قتلوا فقالوا اللهم بلغ عنا نبينا أنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا[7].


وفي رواية أنس أنه قال: «أنزل الله في الذين قتلوا ببئر معونة قرآناً قرأناه حتى نسخ بعد: أن بلغوا قومنا أن لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه»[8].


وهذا درس نتعلمه من هذه الحادثة أن العبد لا بد أن يلجأ إلى الله في كل أحواله، وأن الدعاء سلاح المؤمن في وقت الرخاء ووقت الشدة، وفي وقت الشدة يكون الدعاء مطلوباً أكثر، ولكي يكون الدعاء أرجى للقبول في وقت الشدة لا بد أن يتعرف العبد إلى ربه وقت الرخاء، قال صلى الله عليه وسلم: «من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب فليكثر الدعاء في الرخاء»[9]، وقال صلى الله عليه وسلم: «تعرف إلى الله في الرخاء، يعرفك في الشدة»[10]، يعني: أن العبد إذا اتقى الله، وحفظ حدوده، وراعى حقوقه في حال رخائه، فقد تعرف بذلك إلى الله، وصار بينه وبين ربه معرفة خاصة، فعرفه ربه في الشدة، ورعى له تعرفه إليه في الرخاء، فنجاه من الشدائد بهذه المعرفة، وهذه معرفة خاصة تقتضي قرب العبد من ربه، ومحبته له، وإجابته لدعائه.


•  بشرية النبي صلى الله عليه وسلم وعدم معرفته للغيب إلا بإخبار من الله:
إن حادثتي بئر معونة، وإرسال النبي صلى الله عليه وسلم برغم تخوفه من غدر أهل نجد يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب، كما دلت على ذلك أدلة أخرى منها قوله عز وجل: {قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْـخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إنْ أَنَا إلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 188].


•  المسلم صاحب رسالة لا بد أن يؤديها مهما بلغت التضحيات:
لقد تركت مأساة بئر معونة في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم آثاراً غائرة، بعيدة الأعماق لكن ذلك لم يفت في عضد المسلمين، ولا فتر من حميتهم في الدعوة إلى الله ولا كسر من عزمهم في مواصلة الدعوة وخدمة دين الله، لأن مصلحة الدعوة فوق الأنفس والدماء، بل إن الدعوة لا يكتب لها النصر إذا لم تبذل في سبيلها الأرواح، ولا شيء يمكن للدعوة في الأرض، مثل الصلابة في مواجهة الأحداث والأزمات، واسترخاص التضحيات من أجلها.


[1] الرحيق المختوم 1/ 268.
[2] سنن ابن ماجه، وقال الشيخ الألباني: صحيح.
[3] متفق عليه.
[4] سنن الترمذي، وقال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح غريب.
[5] رواه أبو داود، والحديث صحيح، انظر: حديث رقم: 8183 في صحيح الجامع.
[6] رواه أحمد 1/293.
[7] أخرج مسلم في الإمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد.
[8] صحيح ابن حبان، وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
[9] سنن الترمذي، وقال هذا حديث غريب، قال الشيخ الألباني: حسن.
[10] رواه أحمد 1/293.


عدل سابقا من قبل طالب عفو ربه في الأربعاء 03 أكتوبر 2018, 12:35 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://alsahahaleslameeh.yoo7.com
طالب عفو ربه
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 814
تاريخ التسجيل : 07/05/2016

مُساهمةموضوع: رد: دروس وعبر من حادثة بئر معونة   الأحد 23 سبتمبر 2018, 7:26 am

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
أما بعد:
نص قصة مقتل الصحابة في غزوة الرجيع:
 ومع قصة من بطولات الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم-، وما أصابهم من الأذى، وما حصل لهم من الشهادة في سبيل الله، وصبر النبي -صلى الله عليه وسلم- على هذا المصاب العظيم هو والمسلمون معه، وذلك في هذه القصة التي حصلت في غزوة الرجيع.
وقد رواها أبو هريرة -رضي الله عنه- قال: "بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- سرية عيناً، وأمّر عليهم عاصم بن ثابت، وهو جد عاصم بن عمر بن الخطاب، فانطلقوا حتى كانوا بين عسفان ومكة ذُكروا لحيٍ من هذيل يُقال لهم: بنو لحيان، فتبعوهم بقريبٍ من مائة رامٍ، واقتصوا آثارهم، حتى أتوا منزلاً نزلوه، فوجدوا فيه نوى تمرٍ تزودوه من المدينة، فقالوا: هذا تمر يثرب، فتبعوا آثارهم، حتى لحقوهم، فلما انتهى عاصم وأصحابه لجئوا إلى فدفد، وجاء القوم، فأحاطوا بهم، فقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا ألا نقتل منكم رجلاً؟
فقال عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر، فقاتلوهم حتى قتلوا عاصماً في سبعة نفرٍ بالنبل، وبقي خبيب، وزيد، ورجلٌ آخر، فأعطوهم العهد والميثاق، فلما أعطوهم العهد والميثاق نزلوا إليهم، فلما استمكنوا منهم حلو أوتار قسيهم، فربطوهم بها.
فقال الرجل الثالث -أي المسلم الذي كان معهما-: هذا أول الغدر، فأبى أن يصحبهم، فجروه على أن يصحبهم، فلم يفعل فقتلوه.
وانطلقوا بـ "خبيب وزيد" حتى باعوهما بـ "مكة"، فاشترى خبيباً بنو الحارث بن عامر بن نوفل، وكان خبيب هو الذي قتل الحارث يوم بدر، فمكث عندهم أسيراً، حتى إذا أجمعوا قتله، استعار موسى من بعض بنات الحارث ليستحد بها، فأعارته، قال: فغفلت عن صبيٍ لها فدرج إليه حتى أتاه، فوضعه على فخذه، فلما رأته فزعتُ منه وفي يده الموسى، فقال: أتخشين أن أقتله، ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله؟
وكانت تقول: ما رأيت أسيراً قط خيراً من خبيب، لقد رأيته يأكل من قطف عنب وما بـ "مكة" يومئذٍ ثمرة، وإنه لموثقٌ في الحديد، وما كان إلا رزقٌ رزقه الله.
فخرجوا به إلى الحرم ليقتلوه، فقال: دعوني أصلي ركعتين، ثم انصرف إليهم، فقال: "لولا أن تروا أن ما بي جزعٌ من الموت لزدت".
فكان أول من سن الركعتين عند القتل هو، ثم قال: "اللهم أحصهم عددا".
ولست أبالي حين أقتل مسلماً *** على أي شقٍ كان لله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ  *** يبارك على أوصال شلوٍ ممزع


ثم قام إليه عقبة بن الحارث فقتله، وبعثت قريشٌ إلى عاصم ليأتوا بشيءٍ من جسده يعرفونه، وكان عاصم قد قتل عظيماً من عظمائهم يوم بدر، فبعث الله عليه مثل الظلة من الدبر، فحمته من رسلهم، فلم يقدروا منه على شيء [القصة رواها البخاري: 3045].
هذه القصة هي غزوة الرجيع.
شرح حديث قصة مقتل الصحابة في غزوة الرجيع:
 التعريف بالأماكن والأشخاص الواردة في قصة مقتل الصحابة في غزوة الرجيع: 
والرجيع: اسم موضع من بلاد هذيل كانت فيه هذه الوقعة.
وتُسمى أيضاً: رعلٍ وذكوان.
وهذان البطنان من بطون العرب، نسبت الغزوة إليهما.
وتسمى أيضاً: قصة بئر معونة، وهو موضع بين مكة وعسفان.
وهذه الأسماء الثلاثة لهذه الوقعة التي تُعرف ب "سرية القراء" وكانت مع بني رعل وذكوان المذكورين.
أما بالنسبة لهذه القصة، فقد ذكر أبو هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعث سرية عيناً، وهذه السرية كانت عشرة أشخاص عيناً، تتجسس للنبي -صلى الله عليه وسلم- ليأتوه بخبر قريش، وكانوا: عاصم بن ثابت، ومرثد بن أبي مرثد، وخبيب بن عدي، وزيد بن الدثنة، وعبد الله بن طارق، وخالد بن البكير.
وزاد بعض أهل السير معتب بن عبيد، وكذلك معتب بن عوف، هؤلاء الذين أمّر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عليهم عاصم بن ثابت.
أرسلهم النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذه الغزوة التي قيل: إنها غزوة الرجيع، أو بئر معونة، ولكن الصحيح: أن هذه الغزوة تسمى: غزوة الرجيع، وكانت سرية عاصم وخبيب في عشرة أنفس، وحصل القتال فيها مع عضل والقارة.
وهذه عضل، بطن من بطون مُضر.
وأما القَاَرة، فهي أيضاً بطن من بطون العرب.
ويُقال: أن القَاَرة أكمة سوداء فيها حجارة نزلوا عندها، فسميت القبيلة بها، ويضرب بهم المثل في إصابة الرمي.
وقال الشاعر:
قد أنصف القارة من راماها *** ........................
فالصحيح والراجح، كما ذكر ابن حجر -رحمه الله-: أن قصة عضل والقارة كانت في غزوة الرجيع، وليس في بئر معونة [انظر: فتح الباري، لابن حجر: 7/379].
فإذاً، غزوة الرجيع، وبئر معونة، هما غزوتان منفصلتان.
غزوة الرجيع في آخر سنة "3هـ".
وبئر معونة في أول سنة "4 للهجرة".
وبالنسبة ليوم الرجيع قدم على النبي -عليه الصلاة والسلام- رهط من عضل والقارة، فقالوا: يا رسول الله إن فينا إسلاماً فابعث معنا نفراً من أصحابك يفقهوننا -انظر الغدر- فأرسل إلينا أناس من أصحابك يفقهوننا؟ فبعث معهم ستةً من أصحابه، وعليهم عاصم بن ثابت.
إذاً، هذه القصة هي غزوة الرجيع التي فيها سرية عاصم بن ثابت، كانت مع عضل والقارة.
أما سرية القراء السبعين التي كانت مع رعل وذكوان، فإنها تسمى: بئر معونة.
فإذاً، هما غزوتان منفصلتان، وإن كان الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- قد ترجم ترجمةً تُشعر أنهما شيء واحد.
ولكن على التحقيق، فإنهما غزوتان منفصلتان.
خداع الكفار للصحابة الذين أرسلهم النبي -صلى الله عليه وسلم- في غزوة الرجيع: 
والنبي -عليه الصلاة والسلام- أرسل ستة من أفاضل أصحابه إلى هؤلاء العرب الذين ادعوا أن فيهم إسلاماً، وأنهم يريدون أناساً يفقهونهم في الدين، أرسل لهم هؤلاء الأفاضل، وأمّر عليهم عاصم بن ثابت، وكانوا معهم حتى إذا كانوا بين عسفان ومكة، قال في الرواية: "ذُكروا لحيٍ من هذيل يقال له: بنو لحيان، فتبعوهم بقريب من مائة رامٍ".
وقد جاء أنهم مائتا رجل، فيحمل على أنهم مائة رامٍ، ومائة غير رماة، فاقتصوا آثارهم، حتى أتوا منزلاً نزلوه، فوجدوا فيه نوى تمرٍ، نزل هؤلاء الصحابة بـ "الرجيع" وأكلوا تمر عجوة، فسقطت نواة في الأرض، وكان هؤلاء يسيرون في الليل، ويكمنون بالنهار.
فقيل: إن امرأة من هذيل ترعى الغنم رأت النواة، فأنكرت صغرها، وقالت: هذا تمر يثرب.
أي: هذا النوى صغير ليس بأرضنا، فصاحت في قومها أُتيتم، فجاءوا في طلبهم، فوجدوهم قد كمنوا في الجبل، فلحقوهم والتجأ الصحابة إلى فدفد.
والفدفد، هو: الرابية المشرفة المرتفع من الأرض.
فأراد هؤلاء خداع الصحابة، قالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا ألا نقتل منكم رجلاً؟
الصحابة ستة والكفار مائتا رجل، قالوا: والله ما نريد قتالكم إنما نريد أن نصيب منكم شيئاً من أهل مكة.
رفض عاصم بن ثابت قبول النزول في ذمة المشركين: 
فقال عاصم -وهو أميرهم-: "أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر، ولا أقبل اليوم عهد مشرك".
ولما حصل هذا دعا الله، فقال: "اللهم أخبر عنا رسولك" فاستجاب الله دعاء عاصم، وأخبر رسوله -صلى الله عليه وسلم- بالخبر في ذلك اليوم أن هؤلاء قد أصيبوا، ورفض عاصم -رضي الله عنه-، فأخذوا هؤلاء فقاتلوهم فقتل من قتل، وبقي خبيب وزيد، ورجلٌ آخر.
غدر الكفار ب "خبيب" وأصحابه: 
فأما خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة، وعبد الله بن طارق، فسلموا أنفسهم، فربطوهم، فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر.
أي: إذا كان من أولها أنهم ربطوهم، فهذا بداية الغدر، ولذلك لما كانوا بـ "مر الظهران" انتزع الرجل الثالث، وهو عبد الله بن طارق، انتزع يداه وأخذ سيفه، وقاتلهم وقُتل.
وبقي اثنان: خبيب وزيد، حتى باعوهما بـ "مكة"، فلما أتى هؤلاء الكفار إلى مكة، وباعوا زيد بن الدثنة وخبيب بن عدي إلى كفار قريش، فاشترى خبيباً بنو الحارث بن عامر بن نوفل.
وكان لبني الحارث بن عامر ثأر من خبيب؛ لأن خبيباً كان قد قتل كبير العائلة يوم بدر، وهو الحارث بن عامر، قتله يوم بدر.
إذاً، خبيب بن عدي -رضي الله عنه- شهد بدراً، فهو من أفاضل الصحابة؛ لأنه بدري، ثم إنه قتل الحارث بن عامر القرشي.
وكانت القضية في الجاهلية هي الثأر، فأرادوا أن يقتلوا خبيباً مكان قتيلهم الذي قتله، فاشتروه وأسروه عندهم، وربطوه في بيتٍ لهم، ومكث عندهم أسيراً، حتى إذا أجمعوا قتله، قيل: أنهم كانوا في شهر حرام، وأرادوا أن ينتظروا حتى يخرج الشهر الحرام، ثم يقتلوه، انتظروا حتى يخرج الشهر الحرام، وأخذوهما إلى التنعيم -والتنعيم خارج الحرم كما هو معروف؛ المكان الذي فيه مسجد عائشة- هذا المكان الذي قُتل فيه خبيب وزيد -رضي الله عنهما-.
طلبات خبيب من المرأة المكلفة بحراسته: 
فقيل: أنهم أساؤوا إليه في أسره، فقال لهم، وهو أسير: "ما تصنع القوم الكرام هذا بأسيرهم؟" فأحسنوا إليه بعد ذلك، وجعلوه عند امرأة تحرسه، فيقال: أن خبيباً قال لهذه المرأة واسمها: "موهب" قال لها: "أطلب إليك ثلاثاً: أن تسقيني العذب، وأن تجنبيني ما ذبح على النصب، وأن تعلميني إذا أرادوا قتلي".
فالصحابي يطلب أن يأتوا له بطعام حلال، لا يأتوا له بشيءٍ ذُبح على النصب.
والنصب، هي: الأصنام، وقال الله -تعالى-:  وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ  [المائدة: 3].
فهو من المحرمات.
فأبقوه عندهم حتى انتهت الأشهر الحرم، وأجمعوا على قتله، حتى إذا أجمعوا على قتله أراد رضي الله عنه أن يتجهز ويستحد.
استحداد خبيب قبل قتله: 
والاستحداد، هو: حلق شعر العانة، وهو من سنن الفطرة الذي أخبر عنها النبي -صلى الله عليه وسلم-:  خمسٌ من الفطرة  وذكر منها:  الاستحداد  [رواه البخاري: 5889، ومسلم: 620].
وحلق الشعر بالموسى، ولذلك سميت العملية: بالاستحداد، وهو حلق شعر العانة بالحديد، أو بالموسى، وهي من سنن الفطرة التي قيل: أن الله -تعالى- قد أمر بها إبراهيم الخليل -عليه السلام-:  وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ  [البقرة: 124].
خصال الفطرة ومواقيت تعاهدها: 
قال ابن عباس -رضي الله عنه-: "خمسٌ في الرأس، وخمسٌ في الجسد، فمنها: الاستحداد، ومنها: المضمضة والاستنشاق، واللحية، ونتف الإبط، وقص الأظفار، وحلق العانة، والختان" [مستدرك الحاكم: 2/266، وسنن البيهقي الكبرى: 1/149، وشرح السنة للبغوي: 12/106].
ويدخل أيضاً في سنن الفطرة: غسل البراجم، والأشاجع، وهي: مفاصل الأصابع، ومعاقب الأصابع.
وكذلك يدخل فيها: قص الشارب، وهو قص ما طال عن الشفة العليا، مع تخفيف الشارب.
فأما قص الأظفار، وحلق العانة، ونتف الإبط، فقد وقت النبي -صلى الله عليه وسلم- للمسلمين أربعين يوماً، لا تجوز الزيادة عليها، كما جاء في حديث أنس بن مالك، وهو حديثٌ صحيح [انظر الحديث: رواه أبو داود: 4202، والترمذي: 2759، والنسائي: 14، وأحمد: 13133، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود: 4200].
إذاً، هذه الثلاثة: قص الشارب، ونتف الإبط، وحلق العانة، وقص الأظفار، السنة جاءت بأن لا يُزاد على أربعين يوماً، فلا يجوز تركها أكثر من أربعين يوماً.
وذكر بعض أهل العلم: أن الشعر والأظفار يتعاهد كل أسبوع.
وذكر بعضهم: أنه يكون في الجمعة.
والشعر والأظفار يختلف باختلاف الأشخاص، فبعض الأشخاص تطول أظفاره وشعره بسرعة، وبعضهم ببطء.
المهم أنه لا يترك أكثر من أربعين يوماً، هذه ثلاثة لا تترك أكثر من أربعين يوماً، وهذا توقيت النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهذا يفيد أنه لو ترك أكثر من أربعين يوماً، فإنه يأثم.
فأما الاستحداد، وهو: حلق العانة، فيكون بالحديد، أو الموسى، أو الشفرة، أو ما شابه ذلك، هذه هي السنة، وهذا هو الأفضل.
لكن إذا استعمل أي مزيلٍ آخر، جاز ذلك.
والمقصود الإزالة.
والسنة أن يكون حلقاً؛ لأنه يؤدي إلى اشتداد الموضع، وهذا من مصلحة البدن في هذا المكان.
وأما بالنسبة لنتف الإبط، فإن نتف الشعر يؤدي إلى إضعاف الجلد، وهذا مصلحة الجلد في هذا المكان، حيث الإبط فيه رائحة العرق الكريهة، فإذا ضعف المكان بالنتف صارت الرائحة أخف، والعرق أقل، ولذلك كانت السنة في النتف، ولكن قد لا يقوى بعض الناس على ذلك، ولا بأس أن يحلقها، أو يزيلها بالنُورة، أو أي مزيلٍ آخر، كل ذلك لا بأس به بالنسبة للإبط والعانة.
ومن تعاهده بالنتف، فإنه يستمر على هذا، ولا يكاد يؤلمه أو يؤذيه، ولكن من تركه، وكبر عليه، ربما أنه يؤلمه.
على أية حال، فالمقصود الإزالة.
وأما بالنسبة لقص الأظفار؛ فقد ذكر بعض أهل العلم أنه يبدأ بأظافر اليد اليمنى ثم اليسرى.
وقال بعضهم: يبدأ بالمسبحة؛ لأنها موضع الشهادة، لكن لا دليل عليه، ولكن استحسنه بعض أهل العلم، ثم ما على يمينها، ثم إبهام اليمنى، ثم بعد ذلك اليسرى.
وأما قص الشارب، فإنه يقص ما طال عن الشفة العليا، ولا يتركه يطول، وهو مؤذ، وربما كان مجلبةً للجراثيم عند الشرب.
بعض كرامات الله ل "خبيب": 
قال هذا: حتى إذا أجمعوا على قتله استعار موسى ليستحد بها -خبيب رضي الله عنه- تقول المرأة: حُبس خبيب في بيتي، وقد اطلعت عليه يوماً، وإن في يده لقطفاً من عنب مثل رأس الرجل يأكل منه.
من كرامة الله لـ "خبيب" أوتي قطفاً من عنب كرامة من الله -عز وجل-.
واستعار الموسى ليستحد بها، فغفلت المرأة التي تحرسه عن صبيٍ لها، قيل: أن هذا الصبين هو أبو حسين بن الحارث بن عدي بن نوفل.
والصبي هذا دّب وحبى إلى خبيب على حين غفلة من المرأة، فأخذه خبيب، فأجلسه عنده.
وفي رواية: فأخذ خبيب بيد الغلام، فقال: "هل أمكن الله منكم؟" فقالت: ما كان هذا ظني بك، فرمى لها الموسى، وقال: "إنما كنت مازحاً" [المعجم الكبير، للطبراني: 5/215، رقم: 5146].
وفي رواية: "ما كنت لأغدر" [سنن سعيد بن منصور: 2/300، رقم: 2837].
وفي رواية: إن هذه المرأة، قال لها خبيب حين حضره القتل: "ابعثي لي بحديدة أتطهر بها" [انظر: فتح الباري، لابن حجر: 7/382] أي: ليلاقي الله -عز وجل- وقد تنظف وتطهر، فأراد أن يزيل الشعر قبل القتل، فأعطته هذه الحديدة، وغفلت عن الصبي، فدرج إليه، حتى أتاه فوضعه على فخذه.
تقول المرأة: "ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب، لقد رأيته يأكل من قطف عنب، وما بمكة يومئذ ثمرة، وإنه لموثق في الحديد، وما كان إلا رزق رزقه الله" [رواه البخاري: 4086] أي: رزقه الله خبيباً.
وهذا من الأدلة على كرامات أولياء الله -عز وجل-.
كرامات الأولياء بين أهل السنة والمبتدعة: 
وقد كانت هذه آية للكفار ليروا كرامة الله -تعالى- للمسلمين، وكرامة المسلمين لا شك أنها من اتباعهم لنبوة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-، فخرق الله العادة، وجعل في يد خبيب قطفاً من العنب، وأكرمه الله -عز وجل- بذلك، كما ظهرت الكرامة لـ "عاصم"، لما أراد كفار قريش أن يأتوا بقطعة منه، فلكي لا تنتهك حرمته، ويأخذ العدو شيئاً منه أرسل الله مثل النحل، فأحاطه وظلله، فلم يستطع أحد أن يقترب منه.
وهذا دليلٌ على كرامات أولياء الله -تعالى-.
وكرامات أولياء الله عند أهل السنة والجماعة ثابتة بخلاف المعتزلة، وهي دون معجزات الأنبياء، مخالفاً بذلك لمذهب الأشاعرة، الذين يقولون: كل ما كان معجزة لنبي، جاز أن يكون كرامة لولي.
والمعتزلة، نفوا الكرامات بالكلية.
والأشاعرة، قالوا: المعجزات والكرامات، يمكن أن تكون سواء.
وأهل السنة، قالوا: بإثبات الكرامات، ولكن الكرامات أقل من منزلة معجزات الأنبياء.
والكرامة عبارة عن خرق للعادة، يخرقه الله، كرامة لأهل طاعته وولايته، مثل بعض الصحابة الذين مشوا على الماء.
والعادة أن الإنسان لا يمشي على الماء، ومثل غلام أصحاب الأخدود، مشى على الماء لما غرق القارب، وجاء يمشي إلى الملك.
وكذلك الجبل اضطرب وتدهده بهم، وماتوا، وهو جاء يمشي إلى الملك، وكلما حاولوا قتله لم يستطيعوا، فهذه كرامة.
ومريم:  كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً  [آل عمران: 37].
كانت تؤتى بفاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف.
هذه من كرامات الأولياء.
وخبيب -رضي الله تعالى عنه- أوتي عنباً في مكة، وليس في مكة شيء منه.
وعاصم بعث الله له هذا الدبر، لكي يحميه، ولا يستطيع أحد أن يأخذ منه شيئاً.
الفرق بين خوارق الأولياء وخوارق الدجالين والمشعوذين: 
فإن قال قائل: ما هو الفرق بين خوارق كرامات الأولياء وبين الخوارق التي هي للدجالين والمشعوذين، فإننا ربما نرى لهم خوراق؟
فنقول:
الفرق، هو: أن الخوارق كرامة للأولياء.
وأما للمشعوذين أو الدجالين أو السحرة أو الكهنة، أو أتباع الشياطين، فهي استدراج.
والفرق المهم جداً جداً، هو حال هذا، وحال هذا، حال الولي، وحال المشعوذ، هذا موحد، وهذا مشرك، هذا يتبع سبيل الأنبياء، وهذا يتبع سبيل الشياطين. هذا هو الفرقان بين أولياء الشيطان، وأولياء الرحمن.
سن "خبيب" للركعتين عند القتل: 
لما أخرج خبيب خارج الحرم ليقتلوه، وكانوا لا يقتلون داخل الحرم، قال خبيب -رضي الله عنه-: "دعوني أصلي ركعتين" فكان أول من سن الركعتين عند القتل.
فمن السنة لمن يُقدم للقتل: أن يصلي ركعتين، سواءً للأعداء، أو لقتل القصاص، أو أي قتل.
فلما صلى ركعتين، قال لكفار قريش -وهذا طبعاً من الحرب النفسية عليهم-: "لولا أن تروا أن ما بي جزعٌ من الموت لزدت" أي: أخشى إن صليت أربعا .. وستا .. وعشرا.. تقولون: هذا خائف من الموت! وجالس يؤخر القتل بالصلاة!.
دعاء "خبيب" على الكفار وفزعهم من ذلك: 
ثم قال: "اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا -أي: متفرقين- ولا تبق منهم أحداً" ومن ثم قال: "اللهم إني لا أجد من يبلغ رسولك مني السلام، فبلغه" [سنن سعيد بن منصور: 2/301، وفتح الباري: 7/383].
وكذلك وقع في رواية: "فلما رفع على الخشبة، استقبل الدعاء، فلبَّد رجلٌ في الأرض خوفاً من دعائه" واحد من الكفار التصق بالأرض، ونزل مباشرة، فقال: "اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، فلم يحل الحول ومنهم أحدٌ حي -وهذه كرامة أخرى- كلهم ماتوا غير ذلك الرجل الذي لبد بالأرض.
وقال معاوية بن أبي سفيان: "كنت مع أبي، فجعل يلقيني إلى الأرض حين سمع دعوة خبيب"؛ لأنه يدعو على هؤلاء.
فهذا نزل لكي لا يكون من هؤلاء، فيقول معاوية: "جعل أبو سفيان يلقيني إلى الأرض حين سمع دعوة خبيب، وكانوا يرون أن الدعوة في الحرم مستجابة" [انظر: فتح الباري: 7/383].
أبيات شعرية قالها خبيب قبل استشهاده: 
وقيل: إنه عليه الصلاة والسلام بلغه سلام خبيب، ورد عليه السلام.
المهم أنه نظم هذه القصيدة العظيمة الأبيات:
فلست أبالي حين أقتل مسلماً **** ........................
وقيل: إنه قد قال قبل ذلك:
لقد أجمع الأحزاب حولي وألبوا *** قبائلهم واستجمعوا كل مجمعِ
إلى الله أشكو غربتي بعد كربتي *** وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي


في ثلاثة عشر بيتاً ساقها ابن إسحاق.
ومنهم من يُنكر نسبتها لـ "خبيب".
ولكن قد ثبت في صحيح البخاري أنه قال هذه الأبيات:
ولست أبالي حين أقتل مسلماً *** على أي شقٍ كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ *** يبارك على أوصال شلوٍ ممزع


أما الأوصال، جمع وصل، وهو العضو.
والشِلو، بكسر السين، هو الجسد.
والممزع، المقطع.
فهو يقول: لست أبالي إذا قطعوا جسدي قطعة قطعة، ما دام ذلك في سبيل الله.
ثم قام إليه بعد هذه الأبيات عقبة بن الحارث فقتله.
وقيل: إنهم لما وضعوا فيه السلاح، وهو مصلوب نادوه وناشدوه: أتحب أن محمداً مكانك؟ قال: لا والله العظيم، ما أحب أن يفديني بشوكة في قدمه.
دفاع الله عن أوليائه وحمايته لهم: 
وبعثت قريش إلى عاصم، ليأتوا بشيءٍ من جسده يعرفونه، وكان قد قتل عظيماً من عظمائهم، ولكن الله -سبحانه وتعالى- حماه بالظلة من الدبر.
الظلة: السحابة.
والدبر: ذكور النحل.
فجاءت سحابة من الزنابير، فظللت على عاصم، فوفد أصحاب قريش الذين ذهبوا ليقتطعوا رأس عاصم، ويأتوا به، ومنعتهم هذه السحابة من الزنابير، فلم يقدروا على أن يقطعوا من لحمه شيئاً، فجعلت تطير في وجوههم، وتلسعهم، فلم يستطيعوا أن يأتوا منه بشيء، وذلك أن عاصماً أعطى الله عهداً ألا يمسه مشرك، ولا يمس مشركاً أبداً.
ولذلك لما بلغ عمر -رضي الله عنه- قال: "يحفظ الله العبد المؤمن بعد مماتة كما حفظه في حياته".
بعض الفوائد المستفادة من قصة "غزوة الرجيع":
 وهذا الحديث يدل على جواز رفض أمان المشرك؛ لأن المشرك قد يخدع كما حصل هنا، ولذلك لو قالوا: نعطيك الأمان، وتسلم نفسك، فله أن يقاتلهم، ويرفض الأمان.
وله أن يأخذ بالأمان، حسب ما يرى المسلم ويشتهي، فلو قالوا له: سلم نفسك، أو نقتلك، فقاتلهم ورفض الأمان، قالوا: نعطيك الأمان سلم نفسك، فله الحق، أن يقاتلهم إلى أن يُقتل، أو أنه يسلم نفسه حسب ما يرى.
عاصم قد أخذ بالشدة، وبالعزيمة، ورفض الأمان، وقاتلهم حتى مات.
وفيه كذلك: التورع عن قتل أولاد المشركين؛ لأنهم أطفال، والمولود يولد على الفطرة.
وكذلك: صلاة الركعتين عند القتل، وإثبات كرامات الأولياء -كما تقدم-.
وكذلك فيه: هز معنويات الكفار، كما فعل خبيب -رحمه الله تعالى-، والحرب النفسية عليهم، وأن الله -تعالى- يبتلي المسلمين بما يشاء.
وكذلك فيه: إجابة دعاء المسلم حياً وميتاً، وإكرامه، استجاب الله دعاء المسلم بعد موته، فما وصلوا إليه.
كذلك في هذا الحديث: ما كان عليه المشركون من تعظيم الأشهر الحرم، وهذا يعني أن المسلم ينبغي أن يكون أولى بالحفاظ أو المحافظة على الأشهر الحُرم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://alsahahaleslameeh.yoo7.com
 
دروس وعبر من حادثة بئر معونة
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: الأرشيف العام -
انتقل الى: