الرئيسيةالحج والعمرةالتسجيلدخول




البوابة دليلك للحج والعمرة
أروع المقاطع الأسلامية تجده هنا


شاطر | 
 

 من هم القرامطة؟

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
طالب عفو ربه
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 755
تاريخ التسجيل : 07/05/2016

مُساهمةموضوع: من هم القرامطة؟   الأحد 11 فبراير 2018, 10:16 pm

من هم القرامطة؟
نشأة الحركة القرمطية
ظهرت حركة القرامطة عام 870 و استمرت إلى عام 1070 واستطاعت أن تتوسع في الشرق الأوسط خلال ما يقارب مائتي عام لتحيز على لقب اكبر حركة اجتماعية؛ حيث تسببت في تراجع نفوذ الدولة العباسية التي كانت حاكمة على أكثر المناطق آنذاك، واستطاعت أن تحرز على اسم "الشيوعيين الإسلام"، وذلك عبر بناء نمط حياة اجتماعية قائمة على وحدات المجتمع الأخلاقي-السياسي.
من الواضح، لا يمكن الإفصاح عن ظهور هذه الحركة كانشقاق مذهبي بحد ذاته في الشرق الأوسط، ولهذا يتطلب وقبل الدخول في الموضوع التعرف على تاريخ الشرق الأوسط في قرن الثمانينيات.
كانت الحركة البابكية تقود المقاومة التي بدأت على الأراضي الكردستانية-الإيرانية وازربيجان عام 816 ضد الاحتلال العباسي، واستمرت هذه المقاومة على مر عهدين من الخلافة العباسية أي إلى عام 838، لتكون مقاومة للمتطلبات الاجتماعية للشعب الكردي والفارسي والازربيجاني المعتمد على الزردشتية في إيران. و أستمر هذا التمرد لفترة ناهضت 23عاماَ على أساس الدفاع الذاتي ضد القوى الاحتلالية المستبدة؛ وخاصة قاومت الشعوب التي كانت تحيا في كل من أراضي كردستان ـإيران و أذربيجان بهذا المفهوم الدفاعي وذلك لحماية بنيتها السياسية، الاجتماعية والاقتصادية. اعتمدت تماما على جوهر جماعي. حيث شكل هذا التمرد الذي استمر لمدة 23 عاماً مضايقات ومصاعب جمة للدولة العباسية لتتركها في وضع حرج للغاية سياسيا واقتصاديا، وهذا بدوره ما أدى إلى زيادة الضرائب الداخلية على الشعب لتكلفه الكثير.
من بعدما شعرت الدولة العباسية بطمأنينة من جراء اعتقال بابك عام 838 وجلبه الى بغداد وإعدامه مباشرة، سيهتز وفي هذه المرة عرش الخلافة العباسية بظهور تمرد اكبر بالقرب منها وذلك بقيادة علي بن محمد المعروف بلقب "صاحب الزنج"، ليشمل هذا التمرد الذي بدأ من البصرى عام 869 جميع مناطق جنوب العراق خلال فترة وجيزة. بدأ التمرد بين صفوف العبيد الذين جاؤوا بهم من مناطق افريقية والمسمى بـ "تنزانيا" اليوم ليعملوا كعبيد في إصلاح الأراضي المبطحة الغير صالحة للزراعة وفتح قنوات الري في السواحل القريبة لخليج البصرى ونهري دجلة والفرات بجنوب العراق. حيث لاقى هذا التمرد صيتا كبيرا بين صفوف المزارعين المتروكين جبرا على العمل في مزارع التجار الكبار. اختارت الحركة مدينة "المختارة" كعاصمةً لها فيما بعد، لتقوية نشاطاتها ونفوذها حتى جوار بغداد، ولكن لم تستطع المقاومة أكثر من عام ونصف العام من بعد احتلال القوات العباسية مدينة "المختارة" عام 881. لكن لا نغالط إذا ما قلنا بان ظهور دعوة القرامطة كان بمثابة رفع علم هذا التمرد والاستمرار به، من بعدما بدا وكأن التمرد قد اخمد من بعد اعتقال علي بن محمد و إعدامه في عام 883.
هناك سرود مختلفة حول اسم القرامطة، ولكن الرأي المجمع عليه هو نسبة إلى اسم مؤسس الدعوة حمدان بن الأشعث القرمطي، أما سبب هذا اللقب فهو موضع نقاش. فالقرمطية بلغة النبات يعني اللون الأحمر، وهناك احتمال بان هذه التسمية يعود إلى اللون الأحمر لعيون حمدان. ولكن الاحتمال الأكبر بان هذه التسمية نابع من القروية وربما يكون لهذا الاحتمال نصيب اكبر من الحقيقة، وذلك لاعتماد الحركة على القرويين والعبيد والفئة الكادحة الفقيرة المسماة بـ "القرمطيين" او "القرامطيين". وما مخاطبة منتسبي الحركة بعضهم البعض باسم "الرفيق"، إلا دلالة شفافة عن طابع هذه الحركة.
تدعى المراحل التي انتشرت فيها التعاليم الإسماعيلية قبل ظهور القرامطة بـ "مرحلة الدعوة السرية"، بدت ظاهريا وكأن الإسماعيلية ظهرت كمذهب ولكن في الأساس ظهرت كتنظيم سري ضد الإسلام المتحول إلى إسلام السلطة بخلافة إسماعيل بن جعفر الصادق المنتسب الى سلالة علي ونظمت نفسها بين صفوف شعوب المنطقة. دعت هذه الدعوة إلى ممارسة كل الشعوب عقائدها التي تتناسب والإسلام ضمن تنظيمها، ولم تكن ترى فيه أي حرجاً، و بهذا المعنى لم تعادي الشعوب قيمها العقائدية في هذه الدعوة. وعلى العموم فأكثر المذاهب الملقبة بالباطنية والمعتمدة على تعاليم هذه الدعوة، ظهرت نتيجة المساومة بين عقائد المجتمعات والإسلام. ومع دخولها عام850 بدأت الانشقاقات تدب الإسماعيلية في بعض المواضيع.
ومن الخصائص التي تأتي في مقدمة تلك الانشقاقات، هو استغناء عبيد الله المهدي المقبول كإمام اسماعيلي في تلك الفترة عن تعليم يدعو الى قدوم المهدي كمنقذ في المستقبل وذلك عندما أعلن عن وجود مهدي منقذ في كل اسماعيلي. وهذا بدوره أدى إلى انشقاق مذهبي بين صفوف الإسماعيليين ليتفرقوا الى فاطميين وقرامطة من بعد عام 899 .حتى وان تم الإعلان عن القرامطة كمذهب فحسب وفق التواريخ الدينية الرسمية، إلا انه ووفق المعطيات التاريخية الموجودة بحوزتنا، يعود وجودها الى تاريخ عميق له أسبابه التاريخية، الاجتماعية والأسباب السياسية المرحلية -الاقتصادية وحتى قبل الانشقاقات 899 بكثير.
استعملت كلمة "الداعي" في الإسماعيلية لمخاطبة الدعاة لبعضهم البعض، والداعي هو من يدعي الى الدعوة وطليعي في التنظيم، وكل إمام مكلف بنشر تعاليمه عبر إرسال دعاته الى مناطق مختلفة. حيث سعى هؤلاء الداعيين الى نشر تعاليمهم " النداء، التعاليم" بين صفوف الشعب وذلك بشرح الدعوة للمنتسبين اليها بهدف بناء نظامهم. لذا تم انتخاب الدعاة خصيصا من العالمين بشؤون الدعوة وفكرها وموهوبين ومحترفين في تعليم دعوتهم بنهج حياتهم بين صفوف الشعوب.
كلف الداعي المسمى بـ حسين الاهوازي في عام 874 بالذهاب من الكوفا الى السلمية "الشام حاليا" من قبل الإمام الإسماعيلي لنشر تعاليم الدعوة الإسماعيلية ، اما وفق مصادر أخرى، فانه ذهب من الأهواز. ارتفع شأن الاهوازي في المراحل الأولى من نشر الدعوة وذلك بشخصيته ونمط حياته المتواضعة واستطاع ان يكسب محبة شعب المنطقة. وبه بدأ أحد الأئمة المنتسبين إلى أصل علي بالدعاية لنشر الدعوة الإسماعيلية بين صفوف أهالي تلك المنطقة. واستطاع ان يحصل وفي فترة وجيزة على تعاطف ودعم القرويين العاملين في مزارع الطبقة الإقطاعية الفوقية في الكوفا، ومن ثم عقد اجتماعات لهم وحرضهم على القيام بالتمرد والعصيان ضمن فترة طويلة. لم يستقبل هذا الوضع بالترحيب من قبل الطبقة الإقطاعية الفوقية ويتم القبض على الاهوازي، إلا انه فر من السجن بمساعدة مؤيديه. ومن بعد هذا الحدث اضطر إلى ترك هذه المنطقة ليترك مكانه لـ حمدان بن الاشعث القرمطي-الذي دعا نفسه بالبشدعي وأحد دعاة الإسماعيلية. ويعتقد بان هذه الحادثة وقعت ما بين عامي 880-883.
حيث عرف "فايق بلوط" شخصية حمدان وظهور القرامطة في كتابه " الشيوعيين الإسلام" القرامطة صفحةـ118-:
"كان حمدان من منطقة كوفة، وعمل في الأراضي الشاسعة للأغوات، ولم يكن يملك شيئا سوى بقرة وحمار وكوخ متواضع. ولدى عودته إلى البيت من العمل المرهق والشاق في مزارع الأغوات تحت لهيب حرارة الصيف المحرقة، صادف ضيف الله ليصل إلى سر المسالة من بعد الحوار معه. وظهر بان هذا الضيف المجهول هو داعي منتسب إلى الإسماعيلية . وبذلك وعي حمداننا القروي وآمن بصحة هذه الدعوة وخرج من عالمه الصغير وغلب أنانيته وأدرك لب المسالة وتحرك على أساسا تغير العالم، وانهيار النظام العباسي الإسلامي".
وندرك من خلال ما ذكر أعلاه، ان حركة القرامطة لم تظهر كنتيجة انشقاق مذهبي في التعاليم الإسماعيلية فقط مثلما يقال، بل نظمت نفسها قبل هذا الانشقاق الذي يدعى بانه حصل عام 899 ما يقارب عشرين عاما في الكوفة. وتطور على أسس تصدي الشعوب للنظام العباسي المستعمر القائم بالأغلب على أسس علاقات الإنتاج الإقطاعي والمتستر بالدين. يتحول القرامطة إلى بنية سياسية بقيادة حمدان وذلك بهدف بناء بنية مستندة على قيم كومينالية يمكن تناولها كبنية اشتراكية وفق تلك المرحلة.
البنية التنظيمية للقرامطة 
بعدما لُقب حمدان بالداعي في منطقة كوفة شكل وحدة مؤلفة من ثلاث أشخاص بهدف نشر دعوته، والأول من بينهم كان عبدان المعروف كفيلسوف وعقل الحركة. كتب كتابا مؤلف من سبعة مجلدات باسم بلاغة الصفا "خطاب الإخوة". حيث يتناول في هذا الكتاب نوع النظام الاجتماعي الكومينالي وكيفية بناءه، وما هي نوعية الشخصية المطلوبة لبلوغ هذا النظام، وكيف ينبغي ان يكون نمط تعليم الفرد والمجتمع لتحقيق هذا الهدف، وما هي وجهة نظر القرامطة إلى العالم. أي انه قاد الحركة إيديولوجيا. أما الاسم الثاني في الوحدة يأتي أبو سعيد الحسن بن بهرا م الجنابي، وهو في مستوى القائد الثاني للحركة من بعد حمدان القرمطي، ويعرف عنه بأنه الرجل الميداني الأول في التنظيم. وكما عرفه جميع المؤرخين على انه من أشجع القادة القرامطيين في تطبيق مشروع حياة اجتماعية كومينالية. أما الرجل الثالث لهذه الوحدة فكان "يحيى بن زكرويه الدنداني" التلميذ لحمدان، حيث كلف بتعريف ونشر الحركة في الأراضي الإيرانية كقائد.
وبدأت الحركة بتنظيم نفسها في ثلاثة مناطق، على أساس تقسيم العمل بين الأعضاء الثلاث للوحدة. حيث طور كل من حمدان وعبدان الحركة ونظموها في كوفة العراقية ذات التربة الخصبة، وسميت هذه المنطقة بمنطقة القرامطة الشمالية. أما عائلة الجنابي فكانت مسؤولة عن مناطق شط العرب الواقعة ما بين نهري دجلة والفرات والبحرين والخليج. أما المسؤولين عن جنوب البصرى والقطيف المعروفة كمنطقة ثالثة فكان البوراني وأبو الفوارس، وعرف الاثنين كأوائل الدعاة لحركة القرامطة. ومع تنظيم الحركة وتطويرها في المرحلة الأولى كحركة كومينالية في الشرق الأوسط تحولت إلى نموذج للشعوب والمناطق الأخرى، وخاصة نظمت الحركة بين صفوف الشعب في الخراسان، اليمن، مصر ،الشام وإفريقيا، وبذلك تنظمت الشعوب في عموم الشرق الأوسط حول التنظيم الشعبي الجماعي لهذه الحركة.
كما أمر حمدان الذي ألّف لجنة قيادية ثلاثية بتشكيل نظام مطابق له تماما بالنسبة إلى جميع اللجان التابعة له. وبذلك يبرز شكل تنظيم يبدأ من الأعلى إلى الأسفل. مثلا، قام عبدان الذي كان احد أعضاء اللجنة القيادية الثلاثية لحمدان بتشكيل لجنة قيادية ثلاثية ليرسلهم إلى مناطق مختلفة في الكوفا بهدف نشر تعاليم الدعوة.
كما كان هناك قواعد معينة بين هذه اللجان، حيث كان حمدان القرمطي ينظم الاجتماعات في بعض الأحيان للوحدات التابعة له، ويقوم بتقييم وضع الحركة ويتناول أوضاعها ليصل من خلالها إلى قرارات وتعيينات جديدة. استمر هذا النظام الذي بدأ من الأعلى إلى الأسفل كنمط تنظيم لهذه الحركة. فمثلا يتحدث احد المؤرخين عن شكل هذا التنظيم في إحدى مؤلفاته على الشكل التالي: كان عبدان يعقد اجتماعات شهرية للجان التابعة له ويناقش من خلالها قضايا ومشاكل الشعب في كوفا وطريقة الحل."
وبذلك اتخذ التنظيم شكله رويدا رويداً. اتخذوا رأي وإرادة الشعب أساسا في إيجاد الحلول لجميع قضاياهم، وقد استمروا بترسيخ تنظيمهم أحيانا بالصراع وأحيانا أخرى بالمساومة. وقد ظهر التنظيم على الشكل التالي:
1- يأخذ الإمام الصلاحية من الإله.
2- الإمام يِعلم الحجة.
3- ظل المسا: يتم تعليم العلم والعرفان "الواعين للعلم" من الحجة.
4- الداعي الأكبر: يعتبر اكبر المؤمنين، والبشدعي في مقدمة المرؤوسين.
5- الداعي المأذون: هو الشخص الذي منح له حق التنظيم، يتخذ عهد الانضمام للمنضمين الجدد الى التنظيم من "أهل الظاهر" من الباطنيين الغير المسلمين، ويتم قيده على ذمة الإمام، ثم يدرب المتطرقين الجدد لباب العلم والعرفان.
6- المقالب: مساعد للداعي وفي مستوى الوكيل، ومرفوع المستوى في الدين، ولكنه لا يملك صلاحية نشر دعوة الحركة القرمطية.
7- ـالمؤمن : رفيق الداعي وسائر على دربه ويتعلم عنده ويتعهد على الارتباط به ومكلف بالدخول في فرقة الداعي.
يتبين ومن خلال ما وردنا أعلاه حول بنية القرامطة بأنها ليست حركة متطورة من تلقاء نفسها أو مذهب أو عقيدة أو مدرسة يتحرك فيه الكل وفق أهوائه. وكما سنرى في سردنا أن حركة القرامطة هي نظام اجتماعي يعتمد عل قاعدة كومينالية اجتماعية ويتخذ من الفئة الخارجة عن نظام الدولة أساسا من حيث التنظيم والتعليم وكذلك التنظيم الاقتصادي وتشكيل آلية الدفاع وعقد العلاقات مع الشعوب الأخرى.
عبر هذا التنظيم عن بنية سرية للغاية، وخاصة كانت تحمى هذه البنية التنظيمية بسرية اعتبارا من مرتبة الداعي. وكانت هذه السرية من اكبر التدابير للحيطة والحذر ضد السلطة العباسية وعملائها المتفشيين في كل مكان. ومن القواعد والخطوات العملية الهامة التي لا يمكن لهذا التنظيم من دونها هو تغير أمكنة الكوادر واستخدام أكثر من لقب والعمل وفق إدارة الهجرة وتعين كل مسؤول موكل له. كما استخدموا كلمة السر من أرقام وألقاب فيما بينهم.
النشاطات التنظيمية والتعليمية:
استطاعت الحركة القرمطية التوسع بتنظيمها في مناطق القرامطة الشمالية وعلى رأسها منطقة الكوفا. أن أسس التنظيم كان جذابا للغاية. حيث تم تناول الفعاليات التنظيمية والتعليمية كفعاليات مشتركة. وخاصة تم تكليف كل داعي في مناطق عمله من بعد تعليمه وتدريبه على هذه الأسس.
من بعد ما وصل مؤيدي حمدان القرمطي المقتنعين بكفاية طور الحركة، قاموا بإنشاء دار الهجرة في قرية محتماباز القريبة من الكوفا. وبذلك بدأت حركة القرامطة ببناء أمكنة مثل دار الهجرة والتي تماثل الأكاديميات في راهننا، وقد هجر الكثير من النساء والرجال إلى أول دار الهجرة من بعد إتمامه عام 890. وبذلك تحولت هذه الأماكن إلى مكان التخلص من نير السلطة العبودية والإرادة الحرة والتنظيم واستمرار الحياة بوعي بالنسبة إلى أهالي المنطقة. بالإضافة إلى ذلك تحولت الى أمكنة لتدريب الشعب وكوادر الحركة وسميت بـ"منبر الثورة".
حيث وضع القرامطيين الأسس الأولى لتقاليد المعارضة في دار الهجرة من بعد ترسيخ أمن وجودهم وخاصة في قلعة ألموت التي طور فيها الإسماعيليين تقاليد المعارضة. حيث يشير الكاتب "علي افجو" في كتابه حول القرامطة كالتالي: "اعتمد مفهوم دار الهجرة على هجرة مؤيدي ومنتسبي الحركة إلى بناء قلاع حصينة في أماكن جبلية وعرة آمنة لحمايتهم. حيث أعطوا هؤلاء شرعية هذا المكان وذلك بظهور المهدي فيه. وبهذا المعنى فقد كان الاحساء معقل آمن هام لعناصر المعارضة وفق منطق دار الهجرة".
قام القرامطة بتصنيف نظام تعليمهم إلى درجات. حيث تدرب الشعب بالنقاش على مواضيع في مراحل مختلفة ضمن هذا النظام المتكون من تسعة مراحل. واستخدم اسم الدعوة لكل مرحلة. الحركة التعليمية الأولى المسمى بالدعوة الأولى هو التعليم الذي اعطي للمنتسبين الجدد إلى نظام القرامطة. تم تناول جميع القضايا والمشاكل الاجتماعية وكل ما كان يبادر إلى أذهانهم. حيث لم يكن هناك مناقشات كثيرة حول تعاليم الحركة عموما. وكان التدريب يتقدم رويدا رويداً وبثقل إلى المرحلة التاسعة والأخيرة، حيث تم النقاش على موضوع جديد في كل مرحلة، ولكن كانت النقاشات تدور موسعا مع التقرب من النهاية حول القضايا الاجتماعية والسياسية ومواضيع الإلهيات. وفي المرتبة التاسعة والأخيرة كان يتم تناول مواضيع التصوف والفلسفة والحقيقة. واعتبر الشخص في هذه المرحلة شخص في مستوى النضوج. لم ينحصر هذا التعليم على كوادر الحركة فحسب، بل شمل المجتمع بكل فئاته وشرائحه. وخاصة تحققت التوعية مع مرور كل فئات المجتمع وخاصة التي كانت موجودة في دار الهجرة. وكذلك كان يتم الإجابة على الأسئلة المتعلقة بقضايا اجتماعية مختلفة في المجالس المسماة بمجالس التغذية.
لدى عدم وجود أي فرق بين الشعوب والعقائد لدى القرامطة بصدد التنظيم، فإنهم دعوا لحركتهم وفق كل دين وأثنية. وان الوصول الى الجميع بغض النظر إن كان صابئيا أو مجوسيا أو يهوديا أو مسيحيا أو مانويا أو فيلسوفا وتنظيمهم ضمن إطار هذه التعاليم كان من المهام الأولية لكل داعي. أن المهمة الأولى أمام كل داعي هو معرفة الخصائص الاجتماعية لكل منطقة يذهب إليها. لو ذهب الداعي إلى منطقة يتواجد فيها المسلمين السنة فعليه ان يتعرف على خصائصهم وتناقضاتهم وقضاياهم ويتقرب من أهاليها وفق ذلك. أما لو ذهب إلى منطقة مجوسية أو مانوية فعليه أن يكون عالما بمعتقداتهم جيدا ويقعد العلاقات على نفس شاكلة علاقاتهم ويدرك تناقضاتهم مع الدولة وخاصة العباسية ويتقرب وفق ذلك، وثم يضمهم إلى الدعوة القرمطية.
البنية الاجتماعية للقرامطة
حيث عرف ابن الجوزي المنتسب إلى المذهب الحنبلي آنذاك القرامطيين وتطرق إلى الفئات التي نظموا فيها على الشكل التالي:" أن القرامطيين مختلين العقل وحمقى وبؤساء لم يأخذوا نصيبهم من العلم والعرفان، وتكونوا من حفاة الكرد والعجم والعرب وعناصر مختلفة في منطقة الكوفا." في الحقيقة انه يعرف الفئة الاجتماعية التي انتشرت ضمنها حركة القرامطة اعتبارا من أعوام 900 وتحولها إلى نظام. بالرغم من ان هذه الجمل تحقيرية بحقهم ولكن مثال دال على أنهم نظموا أنفسهم ضمن الفئة الخارجة عن الدولة.
تطورت حركة القرامطة ضمن الطبقة القروية والعبيد من حيث الظهور، إلا أنها حازت على صدى كبير ضمن الفئات الاجتماعية والاثنية والجماعات العقائدية التي لم تستغني عن مقاومتها وخاصة ضد المعتقد الإسلامي والتي لم تتحد مع الحضارة الدولتية في الشرق الأوسط في فترة وجيزة، من حيث مفهومها الشمولي من ناحية التنظيم او مناهضتها للحضارة إيديولوجيا. وبذلك اجتازت حركة القرامطة من كونها حركة طبقية. لقد تحولت البنى الاجتماعية المتبقية خارج الدولة والتي نظمت نفسها لتستمر كنظام إلى اسم نظام اجتماعي لا دولتي.
حتى وان دعت الكثير من المصادر بان القرمطية أرادت أن تنظم نفسها ضمن الطبقة القروية، إلا أنها لاقت استقبال وترحيب الفئات الطبقية الحرفية بحفاوة في الكثير من المناطق التي توسعت فيها الحركة، لان وصولها إلى صيغة تنظيمية على الصعيد السياسي والاجتماعي والاقتصادي كنظام، لم يكن تقربا مرفوضا بالنسبة إلى هذه الطبقات، بل وحتى أصبح ضمان لحياة ومجالات عملها. فعلى الأقل لم يكن هناك مكان لضرائب باهظة صادرة من الدولة ومجهولة الصرف. وهذا بدوره ما كان يشكل ضمانا حسنا لهذه الطبقة.
وكذلك تصاعد تأثير ومكانة المرأة التي تشكل الفئة الأساسية الاجتماعية في المجتمع. حتى أنها بدأت بمساهمات على مستوى معين في الحياة الاجتماعية والتي كانت بعيدة عن أمكنة العبادة حتى في الإسلام ضمن حركة القرامطة. وهذا ما كان يعبر عن تطور كبير في خضم ظروف تلك المرحلة. وحتى يسرد وفق بعض المصادر بان حركة القرامطة دعت إلى علاقة طوعية متبادلة بين الرجل والمرأة بدلا من نكاح الإمام الذي كان يفرضه الإسلام. أما بخصوص بصمة الإباحية التي لفقتها رجال الدين المتمحورين حول الدولة، فكان يأخذ منبعه من عدم قبولها للقوانين الشرعية المفروضة على المرأة في تلك المرحلة. وقد استخدم الانحراف والتشويه القائم بحق العلويين حول ليلة "انطفأت الشمعة" أي الادعاء بوجود الإباحية بحق القرامطيين لأول مرة في التاريخ، إلا أن حقيقة هذه الليلة هو اجتماع جميع فئات المجتمع وممارسة شعائرهم وطقوساتهم الدينية ويسمونها بـ "ليلة المحبة والأُلفة".
كما عرف مكانة خاصة للأطفال في الحياة الاجتماعية، وخاصة موضوع تعليمهم كان من إحدى أهم مهام الداعيين. حيث كان الجنابي الذي كان من قرامطة اليمن يجمع الأطفال في مكان تواجده من دون تميز طبقي او جنسي او عرقي، وقد سماهم بـ "العرفاء" ودربهم خصيصا، ومنه التدريب على ركوب الخيل واستخدام السيف وتكتيكات الحرب إلى جانب التعاليم الأساسية للدعوة. ان القرامطيين الذين كانوا على وعي بدور تعليم الأجيال القادمة مستقبلا بالنسبة إلى الحركة حققوه بأحسن أشكاله. فهناك الحديث عن الأطفال الذين ساهموا في الإنتاج الزراعي وفق قوتهم وذلك بمطاردتهم الطيور الفتاكة بالمحاصيل الزراعية.
بإيجاز، ينبغي عدم التطلع إلى هذه الحركة التي أصبحت كابوسا لنظام الدولة في الشرق الأوسط ما يقارب قرنين كحركة مستندة على طبقة أو أثنية أو معتقد فحسب، بل أنها حركة دعت إلى حياة تكافؤية مشتركة لجميع فئات المجتمع. حيث يذكر القائد القرمطي اليمني "حسان بن المنصور": عندما يظهر المهدي في اليوم المنتظر، فسيشرب الثور مع الأسد من نفس النبع، وسيسلم الراعي قطيع أغنامه للذئب وسيذهب. وستتخذ الحسنة مكان السيئة وستنتهي المياعات، وسيعطي الصاحب حقه وسيصبح الإنسان حرا طليقا ومساويا كمثل يوم ولادته".
حياة القرامطة الاقتصادية
طور القرامطيين مفهوم اقتصادي يتناسب مع فلسفتهم ومتكافئ مع البنية الاجتماعية. فمثلما أرادوا تحقيق نظام اجتماعي على أساس مفهوم اجتماعي متساوي وحر، طورا نظاما اقتصاديا للإنتاج والاستهلاك مناسبا على نفس الشاكلة ضمن مجتمعات القرامطة.
ان حمدان القرمطي في المراحل الأولى لتشكيل الحركة من بعد بلوغها إلى قوة معينة طلب بدفع الضريبة درهما باسم "الفطرة" من الشعوب في المناطق الموجودة تحت حاكميتهم. وقد استخدمت هذه الضرائب لتلبية حاجات الحركة والنشاطات الكادرية في تلك المرحلة. إلا انه من بعد بلوغ الحركة إلى أرضية اجتماعية معينة قررت الحركة دفع كل شخص دينارا وسمي بالهجرة. أما هذه الضريبة فكانت تصرف لتلبية احتياجات ترسيخ النظام في الأماكن الجديدة التي تحاول الحركة التحكم فيها. وخاصة وجد "دار الهجرة" الذي اشرنا إليه سابقا بفضل ذلك. حيث فرض على كل واحد دفع واحد من الخمسة من ماله بعد بناء دار الهجرة. وكانت هذه المرحلة هي مرحلة انتقال إلى نظام الملكية رويدا رويداً. حيث بنى القرامطة نظاما ضد الملكية الخاصة منذ البداية والى النهاية وحققوه. من بعد الحصول على واحد من الخمسة من المال الذي اعتبر الملكية الجماعية المشتركة بفترة وجيزة فرض الالفة، وهو اسم النظام الذي جمع الكل أموالهم بالاشتراك فيه من دون تفوق احدهم على الأخر ماديا. وبذلك تم إنهاء نظام الملكية الخاصة في المجتمع. حيث كان يبلغ حمدان الناس بأنه لا حاجة لهم بالأموال الموجودة لديهم، كون العالم باكلمه سيكون لهم. وبالأصل فان المفهوم الأساس الذي أعطى لحركة القرامطة خاصية الشيوعية هو إنهاء الملكية الخاصة وتحقيق الملكية الجماعية. ولم يكن للناس أشياء خاصة سوى أسلحة مثل السيف والرمح والقوس.
أما طريقة الإنتاج فكان على شاكلة جماعية وتعاونية، والكل يعمل بالاشتراك في الزراعة والقطف ويتخذ المحصول بالتساوي. أما الحيوانات فكانت تُغذى بالاشتراك، وتستخدم مشتقاتها كالحليب والجبن والسمن والخ جماعيا. حيث انضم الكل إلى النشاطات الإنتاجية بشكل او بآخر. كما انضم الكل ووفق قوته وضمن نطاق مهارته إلى العمل واستفاد من المحاصيل والإنتاج حسب حاجاته.
كانت المحاصيل تجمع في الأماكن التي يمكن تسميتها بدار الشعب. ففي بداية الأمر جمعت في دار الهجرة، إلا أنهم جمعوها في مناطق أوسع من بعدما تعاظم النظام. وسميت كل منطقة من هذه الأمكنة وفق خصائصها الذاتية. مثلا سماه حسان بن المنصور هذا المكان في اليمن ببيت السلام. أما الخزينة المشتركة فسميت بـ "بيت المال"، وكان كل أعضاء الجماعة يحصل على ما يحتاج إليه من هذا البيت. وسميت في المغرب بـ "بيت التشريق" ولدى قرامطة البحرين بـ "المشهد الأعظم". فحتى وان تغيرت أسماء هذه الأماكن من منطقة إلى أخرى إلا أنها أمكنة لجمع الأموال والإنتاج المشترك والذي يحصل فيه العامة على حاجاتهم جماعيا مشتركا.
يسمى هذا النظام من قبل الكثيرين من المؤرخين في راهننا كنظام شيوعي كامل. لم يبقى هناك فرق بين الفقير والغني في المجتمع. واختزل الخلل الاجتماعي الى درجة الصفر. وهذا هو من احد العوامل الرئيسية التي توضح سبب مد هذه الحركة الى مناطق شاسعة في فترة وجيزة. وبذلك حقق القرامطة بنية اجتماعية كومينالية ضد الخلافة العباسية التي تركت شعوب المنطقة عرضة الجوع والفقر لأجل متعتها وصفوتها سواء ببناها الاجتماعية والاقتصادية او بسوية الوعي الذي خلقته او بوعودها لمستقبل حر للشعوب.
الى جانب ذلك يمكن القول بان القرامطة احتلوا مكانة تجارية واسعة، فهناك وثائق تؤكد على ان القرامطة قاموا بالتجارة وعلى راسهم قرامطة البحرين ومجموعاتهم القريبة من مناطق بصرى الخليج. وهذا دليل قاطع على مستوى التقدم الاقتصادي الذي أحرزه نظام القرامطة في البنية الاجتماعية. كما ان العلاقات التجارية هذه أثرت على تطور أهل المنطقة والشعوب الأخرى أيضا.
أسس التعاليم القرمطية
لقد تطرقنا وفي بداية موضوعنا إلى أهمية الزردشتية في تطور تاريخ الشرق الأوسط. ويمكننا ان نجد الآثار العميقة لتقاليد الزردشتية في سردنا الموجز عن تاريخ القرامطة أيضا.
يتبين أكثر في كل زاوية من التاريخ في حين تنويره، بان الشعوب لم تكن على طواعية تامة في تبني الإسلام كما هو. وهذا بدوره يبرز أمامنا بنية اجتماعية استطاعت ان تحصل على إمكانية إحياء معتقداتها الدينية ضمن الإسلام لتكون سببا في معارضتها ضده، وبالأحرى ضد إسلام ابعد من أن يكون مفهوما إسلامياً خالصا ونقيا. فكاد ان يتحول التستر وراء ستار الإسلام بالنسبة الى الشعوب الموجودة ضمن الإسلام من جراء موضوع الخلافات حتى يمارس معتقداته الى تكتيك أساسي لهم.
لدى تحول الخلافة واهل البيت الى سببا في اكبر الخلافات في الإسلام ضمن هذا المحور، استطاعت الشعوب ان تحي تقاليد معتقداتها ضمن هذه الخلافات. ولهذا السبب اتخذ تاريخ الشرق الأوسط من الطرائق والمذاهب شكلا لها من بعد الإسلام.
ولو تناولنا التعاليم القرمطية سندرك هذا الوضع بكل شفافيته. حيث تشكلت الإسماعيلية التي انفصلت من ضمن الإسلام بسبب ما الحق باهل البيت كحركة تمثل الفئات الاجتماعية المعارضة، واتخذت من مفهوم "المهدي" أي المنقذ اساسا لها. ووفق هذا المفهوم فان كل نبي عندما يعلن عن نبوته ينفي شريعة النبي الذي كان يسبقه ويبني نظام شريعته. لقد تحقق ذلك في مرحلة كل نبي ويجب ان يكون كذلك من الان وصاعدا ايضا. لهذا فسيكون شريعة النبي محمد "ص" هو المهدي والمنقذ الجديد، وسيكون قوانينه ونظامه سارية المفعول. اما حركة القرامطة التي نمت على أرضية التعاليم الإسماعيلية فستدعو الشعوب الى التصدي للدولة الإسلامية بالوعظ الى ظهور المهدي للخلاص من الظلم العباسي.
إلا ان هذا الوضع سيتغير مع الوصول الى عام 890 بظهور مواقف مغايرة. حيث اتخذ الإمام الإسماعيلي من اصل علي عبيدالله المهدي قرارات بصدد إجراء بعض الإصلاحات في مفهوم المهدي المنقذ. ان كل إمام اسماعيلي هو مهدي حسب عبيدالله، ولا داعي لانتظاره، وبمكان ألائمة الذين اضطروا الى خفاء نفسهم بسبب ضعف الحركة ان يبنوا نظامهم باسم المهدي ويعلنون عن خلافتهم.
عندما وصل هذا الوضع إلى الداعيين في الكوفا، قام حمدان بإرسال عبدان إلى عبيدالله في السلمية لمعرفة جوهر المسالة. وعندما بلغه عن النقاش الذي دار بينه وبين عبيدالله، طلب منه الرجوع من بعد إعلان نهاية الدعوة الإسماعيلية . وعلى اثر ذلك يقوم عبيدالله على قتل عبدان.
في الحقيقة ان هذه الحادثة التاريخية التي تمر في تاريخ الأديان الرسمية على أنها سببا في انشقاق الإسماعيليين، ما هي إلا تعبير عن الصراع بين مفهوم المجتمع الكومينالي ونزعة المجتمع الدولتي ضمن الإسماعيليين. تقدم القرامطة في المراحل الأولى على نحو بناء نظامهم الكومينالي بمنفصل وكرد فعل ضد النزعة الدولتية التي برزت ضمن التقاليد الإسماعيلية التي كانت تسند نفسها على قيم المجتمع الديمقراطية الكومينالية.
ان هذا الوضع لوحده يفيد لنا عن تحكم بنية ذهنية متمحورة حول براديغما كومينالية للقرامطيين. حيث اتخذوا موقفا مناهضا تماما للتدول. كما استهدفوا القضاء على نظام الحضارة الدولتي الذي فرض نفسه على الشعوب بكل السبل من بعد النظام الشرعي الموجود.
كما أنهم طوروا مفهوم المهدي بشكل أكثر من بعد الانفصال، واعدوا الصراع ضد النظام الموجود الى حين ظهور المهدي من احد مهامهم الرئيسية. واعتقدوا انهم بذلك يساعدون المهدي. وهذا الاعتقاد كان من احد أهم أسباب كفاحهم. ان دار الهجرة الذي بنوها كمنبر ثورة الحركة كان هو المكان الذي سيظهر فيه المهدي. أي ان القرامطة امنوا بأنهم يسهلون من مجيء المهدي بكفاحهم هذا.
الى جانب ذلك، امنوا بان النظام الديني الموجود نظام قديم وفات عليه الدهر. لذا فإنهم تبنوا شكل عبادة ليس وفق مستوجبات هذا الدين بل وفق ظروف الحياة الاجتماعية والقواعد الاعتقادية القديمة. مثلا، كانوا يصومون في السنة يومين، اليوم الأول في 21 نوروز والثاني في يوم المهرجان "16 أيلول"، ويصلون ركعتين قبل ظهور الشمس وركعتين بعد غروبها، ويتوجهون الى القدس كقبلتهم، ولم يعدوا الخمر من المحرمات. اما بالنسبة لعلاقة الرجل والمرأة، فلم يكن يعترفون بقوانين الشريعة كما بينا أعلاه. امنوا بالتنصح المعروف كقوة الروح. لم يكن يتبنون مصطلح الآخرة والجنة، ويدافعون عن ان الجنة الحقيقة في هذه الدنيا.
الحوادث الهامة في عهد القرامطة ومناطق انتشارهم
مقابل تطور الحركة القرمطية في الكوفا القريبة من جنوب العراق مع أعوام 870، فتوسعت في الكثير من مناطق الشرق الأوسط خلال فترة وجيزة وتسببت في صعوبات ومضايقات جمة للدولة العباسية والفاطمية التي ستتأسس فيما بعد في مصر.
كما كان لدعاة القرامطة دور هام وبارز في هذا التوسع، حيث نظموا أهالي المنطقة المعارضين للدولة في مناطق تواجدهم على مسار التعاليم القرمطية وتناولوها بصواب ليحولوها الى نظام. ومن اهم البارزين من الدعاة كان الجنابي في البحرين، حيث عرف بفاعليته وتأثيره وقدرته على بناء نظام فعال ومؤثر في تنظيم القرمطية في تلك المنطقة. حاز الجنابي المكلف من قبل حمدان عام 894 في البحرين على مؤيدين كثر من البدويين العرب والإيرانيين القاطنين في المنطقة. كما انه توجه الى البصرى من بعد استيلائه على قسم كبير من البحرين وعلى مدينة القطيف الموجودة على سواحل شرق السعودية بدعم ومساندة كبيرة من قبل القبائل الموجودة في تلك المنطقة. وسع من نفوذه ليستولي على عاصمة البحرين ومكان الوالي العباسي عام 900 ويصل الى اليمامة وعمان. واتخذ من الاحساء عاصمة له. حتى ان قرامطة البحرين استولوا على طريق المكة وأعاقوا ذهاب الحجاج الى الحج عام 924. وكان نتيجة ذلك دفع حكومة بغداد الضريبة مقابل السماح بمرورهم عام 925. حتى وان فشلوا في اقتحام بغداد عام 926، إلا أنهم أضاقوا الخناق على الدولة العباسية. اما الذي خطط لهذه الحركة فكان أبو طاهر الجنابي الذي احتل مكان اباه "الجنابي" من بعد مقتله عام 913 . كما انه استولى على الحجر الأسود وجاء به الى الاحساء نتيجة هجوم شنه على المكة عام 929. لقد تحول ابو طاهر القائم على كل هذا حتى يسهل ظهور المهدي الى المهدي بنفسه في نظر الشعب، إلا انه بالرغم من تصديه لهذا الوضع كان يؤمن بوجوب تحوله الى جواب لانتظار المهدي. لذا فأعلن للشعب عام 931 عن زكريا الأصفهاني الذي كان بجانبه بانه المهدي والشخص القادر على إزالة شريعته، إلا انه اعدم من بعدما قبض عليه الشعب لدخوله في نزاع السلطة من بعد فترة وجيزة وعلى اثر قتل بعض دعاة القرامطة. وبهذا تلقى حكم أبو طاهر ضربة كبيرة أيضا. وبه بدا التراجع يدب صفوف قرامطة البحرين رويدا رويداً. من بعد موت أبو طاهر انتقلت إدارة قرامطة البحرين إلى إخوته الثلاث عام 943. حيث تم تسليم الحجر الأسود عام 950 إلى العباسيين ليعود إلى المكة جراء اتفاق بينهم ومن دون أي مقابل. في الأصل ان استلام الحجر الأسود كان يعني التراجع عن وجوب الادعاء بظهور المهدي قريبا والقضاء على الشريعة الإسلامية السائرة بعنف السيف. وبذلك لم يعد قرامطة البحرين يجدون من إنهاء حكم الشريعة الإسلامية مسؤولية تقع على عاتقهم وحولوا هذه المهمة إلى المهدي. توجه القرامطيين الذين حافظوا على أنفسهم إلى عام 985الى الكوفا اثر سماعهم باعتقال ممثلهم في بغداد، إلا أنهم انهزموا اثر مواجهتهم القوات العباسية في الطريق. لذا توجه القائد العباسي اصفار الذي وجد ضعف قوات القرامطة إلى الاحساء وقتل العديد من قادة القرامطة. حتى وإن لم يكن لقرامطة البحرين تأثير كبير ولكنهم يستمرون بنظامهم ضمن المجتمع إلى الآن. وفي النهاية قام ارتوك عام 1076 مع عدو القرامطة الأيوني بالهجوم على الاحساء واستولى عليها، ثم أسس الخلافة الايونية في البحرين بدل من حكم القرامطة.
أما في العراق الذي ظهر وانتشر منها القرامطية فكان الوضع مختلفا قليلا. من بعدما قتل القائد عبدان على يد عبيد الله، اختار حمدان القرمطي الخفاء. ووضع ابن اخيه موسى بدل عبدان، واستمروا قرامطة العراق لفترة طويلة. كما هو معلوم أرسل القرامطة الدعاة الى منطقة الجزيرة والري في بغداد التي تعتبر مركزهم الاخر في العراق. من بعدما توجه قرامطة البحرين صوب العراق عام 928، توجه قرامطة العراق الى واسط من بعد تشكيل جيش يناهز خمسة عشرة الف شخصا واستولوا عليها. إلا ان قرامطة العراق عانوا من مرحلة تراجع مثل قرامطة البحرين من بعد هزيمتهم في بغداد. تراجع قرامطة العراق الذين عانوا من بنية متشتتة من بعد موت عبدان وفقدوا ثقلهم حتى وان بقوا على شكل وحدات لفترة طويلة من الزمن.
اما القرمطية في سوريا فكانت متزامنة مع مرحلة متأخرة أكثر. فكانت المنطقة تحت حاكمية الفاطميين، ولكن من بعد قتل عبدان عام 899 على يد الداعي الاسماعيلي زكرويه، دخل القرامطيين هذه المنطقة للعثور عليه وقتله، لذا فاضطر الى ان يخبأ نفسه، لكن من بعد فترة عزل ابن زكرويه من قبل الداعي الاسماعيلي يحيى. وهذا بدوره ادى الى فتك النزاع بين ابناء زكرويه وعبيد الله. قتل ابن زكرويه على يد القوات الفاطمية، وعلى اثر ذلك وحسب وصية يحيى توجهت القوات التابعة له بقيادة اخيه حسين الى حماه ومعرة النعمان وبعلبك والبلدان الأخرى ومن بعد الاستيلاء عليهم توجه الى السلمية ليستولي عليها عام 903، وهنا استولى على مال وممتلكات وحرم عبيدالله وقتل ابنه محمد، إلا ان العباسيين الذين كان يُعتقد بأنهم أعداء الفاطميين بعثوا جيشا لمواجهة حسين، والحقوا الهزيمة بالقرامطة من بعد احتلال السلمية وقتلوا الحسين. وعلى اثر ذلك، لدى استمرار زكرويه بنشر تعاليم الدعوة القرمطية في سوريا، هاجم الكوفة للأخذ بالثأر والقضاء على النفوذ العباسي فيها، إلا انه تراجع من بعد هزيمته. وعلى اثر ذلك استمر القرامطة بنشر دعوتهم في سوريا وخاصة المناطق الحدودية للعراق وسوريا ولكن سرا.
بدأ انتشار تعاليم الدعوة الإسماعيلية في اليمن عام 881 من قبل الداعي منصور اليمن وعلي بن الفضل. من بعد الانشقاق الحاصل ضمن الإسماعيلية دعى منصور الذي استمر بتبعيته للفاطميين الداعي الفضل إلى الإطاعة له. وعلى أثره قام الفضل بإنهاء تبعيته للخليفة الفاطمي عبيد الله عام 911 ليبدأ التنظيم بالتعاليم القرمطية. إلا ان العباسيين الذين استفادوا من ضعف خبرة وتجربة ابن علي بن الفضل الذي احتل مكان أبيه من بعد موت مبكر، أصبحوا عائقا في الخطوة الأولى لتطوير تنظيم القرامطة بالهجوم على اليمن.
اما القرامطة في منطقة إيران فبدأت بـ حمدان وفق البعض وبـ ابن الميمون اخ عبدان وفق البعض الآخر. لذا فيعرف قرامطة إيران بالميمون. المركز الهام لقرامطة ايران كانت منطقة الري، وانتشرت الحركة في مناطق الجبال والخراسان وازربيجان. حيث يعتقد بان الداعي الإسماعيلي خلف الحلاج كلف من قبل الميمون لنشر تعاليم الدعوة في منطقة الري عام 899 واستقر في قرية ما. حيث وصل الى تنظيم موسع وخاصة في منطقة خراسان. وبهذا الشكل فان تحكم القرامطة بالمنطقة عام 924 على واسع النطاق يزيد من رد فعل الطبقات الحاكمة فيها. حتى وان اضطر قواد القرامطة الى التستر والخفاء في تلك المرحلة على اثر شن هجمات ضدهم، لم ينقطع توسع الحركة واستمرت الى ان وصلت الى الطبرية، جورجان وازربيجان وأصفهان.
حتى وان توسعت الفاطمية والتعاليم القرمطية معا في منطقة ما وراء النهرين، إلا أنهما انفصلا منذ عام 919. حيث انتشرت تعاليم الدعوة القرمطية في البخاري وسمرقند، إلا انه يبدو بان حاكمية الدعاة الفاطميين أكثر في منطقة إيران وما رواء النهرين. حيث ضمن الداعي عبيدالله المهدي رجوع البعض من المناطق التي تتبنى التعاليم القرمطية إلى التعاليم الفاطمية. إلا ان البنى الاجتماعية المستندة على التعاليم القرمطية المنتشرة خاصة في خراسان وما وراء النهرين وباكستان والهند، تعرضت لغزوات الغزنويين الأتراك. ونتيجة اتفاق قواهم الحاكمة مع القوى الإقليمية حد من تأثير القرامطة وكادت ان تخزل قوتهم إلى العدم عام 1060.
مقابل عدم وجود أية وثائق بخصوص نشاط وفعاليات حركة القرامطة في كردستان، لكن يدرك من مؤلفات بعض الكتاب بان الأكراد انضموا إلى هذه الحركة بفعالية. وخاصة يبين لنا بقاء البنية الاجتماعية للكرد خارج الطبقة الحاكمة على ان الشعب الكردي انضم وبالدرجة الأولى إلى فعاليات هذه الحركة. وخاصة تشير العلاقات الوطيدة بين دعاة القرامطة في الري وخراسان ومنطقة الموصل وإرسال ممثليهم إلى هذه المنطقة، إلى احتمال وجود تنظيم قرمطي في موصل المركز في كردستان، إلا انه لا يوجد معلومات ووثائق ومعطيات حول هذا الموضوع.
تعبر مرحلة ظهور حركة القرامطة التي استمرت مدة قرنين عن أهم مرحلة من مراحل الحضارة الديمقراطية، هذه الحركة التي انتشرت والى جانب المناطق الرئيسية هذه في شمال أفريقيا والهند وتشكلت كنظام تمكنت فيه الفئات الخارجة عن الحضارة الدولتية تنظيم نفسها والاستمرار بوجودها، واستطاعت ان تبصم بطابعها قرنين من التاريخ وقد يكون هناك أكثر مما ذكرناه. كما أنها جزء تاريخي هام في وصول قيم المجتمع الكومينالية إلى راهننا. حيث تحتاج هذه المرحلة إلى تحري وتشخيص موضوعي صائب متمحور حول المجتمع الأخلاقي السياسي، كونها لم تقيم بهذا النمط وحتى ان قام البعض من الكتاب او المؤسسات التاريخية الرسمية بتناولها فلم يتجاوزا التضليل والكفر بها. ندرك من ذلك بان جميع الشعوب في الشرق الأوسط دافعت عن قيمها الاجتماعية بهذا النمط ضد الحضارة الدولتية. أن زوال حركة القرامطة رويدا رويداً لا يعني زوال بناها الكومينالية. حيث قدمت توجيها موسعا للمجتمعات حول كيفية حماية قيمهم الاجتماعية الكومينالية، وما خلقته هذه الحركة من تقاليد أصبح مثلا رئيسيا لشعوب الشرق الأوسط. يمكننا أن نرى اثر القرمطيين في كل حركة اجتماعية ظهرت باسم الشعوب.

http://thehistoryofarabia.blogspot.com/2013/12/blog-post_20.html
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://alsahahaleslameeh.yoo7.com
 
من هم القرامطة؟
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: الساحة العامة-
انتقل الى: